ثم قال لسان الدين : توفي يوم الخميس ثالث شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة ، وقد ناهز السبعين ، ودفنّاه بروضتنا بباب إلبيرة ، وأعفي شارب الشعر من ثاني مقصّه ، عفا اللّه تعالى عنّا وعنه ! انتهى .
قلت : رأيت بخطّ البدر البشتكي في اختصاره لإحاطة لسان الدين وسمّاه ب « مركز الإحاطة » في هذا المحلّ ما نصّه : قال كاتبه : لو وفّق اللّه تعالى هذا الرجل لم يجب عن مثل تلك الحائية بهذا الهذاء ، ولعلّ ما في كتاب أبي البركات الذي اسمه « شعر من لا شعر له » أنزل من هذه الطبقة ؛ انتهى .
وقد أشار لسان الدين لهذا بقوله السابق : وأعفي شارب الشعر من ثاني مقصّه ، فلله درّه من لوذعي زان خاتم البراعة بفصّه ، فلكم له من عبارة وجيزة يقضي بها ما لم يستطع غيره أن يعبّر عنه بإطنابه ، فعلى كل من يروم التعبير ، عمّا في الضمير ، أن يتمسّك بأطنابه .
وقال ابن خاتمة : حدّثني الشريف الأديب أبو عبد اللّه بن راجح التونسي مقدمه علينا بألمرية قال : سجن القاضي أبو عبد اللّه بن عبد السلام شابا وسيما لحقّ تعيّن عليه ، فأنشدته مداعبا : [ الوافر ]
أقاضي المسلمين ، حكمت حكما * غدا وجه الزمان له عبوسا
سجنت على الدراهم ذا جمال * ولم تسجنه إذ غصب النفوسا
فأجابني بأن قال : إنما شكاه لي أرباب الدراهم ، دون أرباب النفوس ، انتهى .
رجع إلى ما خوطب به لسان الدين رحمه اللّه تعالى :
[ من أبي عبد اللّه العشاب التونسي إلى لسان الدين في بعض الأعياد ]
وممّا خاطبه به أبو عبد اللّه العشاب التونسي في بعض الأعياد قوله : [ الطويل ]
بيمن أبي عبد الإله محمد * تيمّن هذا القطر وانسجم القطر « 1 »
أفاض علينا من جزيل عطائه * بحورا تديم المدّ ليس له جزر
وآنسنا لمّا عدمنا مغانيا * إذا ذكرت في القلب ليس لها ذعر
هنيئا بعيد الفطر يا خير ماجد * كريم به تسمو السيادة والفخر
ودمت مدى الأيام في ظلّ نعمة * تطيع لك الدنيا ويعنو لك الدهر « 2 »
هامش
( 1 ) اليمن : البركة وسعد الطالع . وتيمن : عده فألا حسنا . والقطر - بضم القاف وسكون الطاء - الناحية والصقع ، والقطر - بفتح القاف وسكون الطاء - المطر .
( 2 ) يعنو له الدهر : يخضع ، ويصبح أسيرا .