تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ومن شعره ما قيّده لي بخطّه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة المرينية الفقيه الرئيس الصدر المتفنّن أبو زيد بن خلدون : [ الطويل ]
صحا القلب عمّا تعلمين فأقلعا * وعطّل من تلك المعاهد أربعا « 1 »
وأصبح لا يلوي على حدّ منزل * ولا يتبع الطرف الخليّ المودّعا
وأضحى من السّلوان في حرز معقل * بعيد عن الأيام أن يتضعضعا « 2 »
يردّ الجفان النّجل عن شرفاته * وإن لحظت عن كلّ أجيد أتلعا « 3 »
عزيز على داعي الغرام انقياده * وكان إذ ناداه للوجد أهطعا « 4 »
أهاب به للشيب أنصح واعظ * أصاخ له قلبا منيبا ومسمعا
وسافر في أفق التفكّر والحجا * زواهره لا تبرح الدهر طلّعا
لعمري لقد أنضيت عزمي تطلّبا * وقضّيت عمري رقبة وتطلّعا « 5 »
وخضت عباب البحر أخضر مزبدا * ودست أديم الأرض أغبر أسفعا « 6 »
وقال حسبما قيّده المذكور : [ المتقارب ]
نهاه النّهى بعد طول التجارب * ولاح له منهج الرشد لاحب « 7 »
وخاطبه دهره ناصحا * بألسنة الوعظ من كلّ جانب
فأضحى إلى نصحه واعيا * وألغى حديث الأماني الكواذب
وأصبح لا تستبيه الغواني * ولا تزدريه حظوظ المناصب
ثم قال في « الإحاطة » وإحسانه كثير في النثر والنظم ، والقصار والمطوّلات ، واستعمل في السّفارة إلى ملك مصر وملك قشتالة ، وهو الآن قاضي حضرة الملك ، نسيج وحده « 8 » في السلامة والتخصّص واجتناب فضول القول والعمل ، كان اللّه له ! انتهى .
هامش
( 1 ) صحا القلب : ترك ما كان فيه من الصبابة والعشق . وأقلع : كف وترك . والأربع : جمع ربع وهو الدار . ( 2 ) يتضعضع : يذل ويخضع . ( 3 ) الأجيد : الطويل الجيد ( العنق ) ، والأتلع : مثله . ( 4 ) أهطع : أسرع . ( 5 ) أنضيت : أهزلت وأضعفت وأتعبت . ( 6 ) الأسقع : الأسود المائل إلى الحمرة . ( 7 ) اللاحب : الطريق الواسع . ( 8 ) نسيج وحده : فريد ، نادر .