شدّوا على لهب الرّمضاء وطأتهم * فغاص في لجّة الظّلماء راسبه
وكلّفوا الليل من طول السّرى شططا * فخلّفوه وقد شابت ذوائبه « 1 »
حتى إذا أبصروا الأعلام مائلة * بجانب الحرم المحميّ جانبه
بحيث يأمن من مولاه خائفه * من ذنبه وينال القصد راغبه
فيها وفي طيبة الغرّاء لي أمل * يصاحب القلب منه ما يصاحبه
لم أنس لا أنس أياما بظلّهما * سقى ثراه عميم الغيث ساكبه « 2 »
شوقي إليها وإن شطّ المزار بها * شوق المقيم وقد سارت حبائبه
إن ردّها الدهر يوما بعد ما عبثت * في الشّمل منّا يداه لا نعاتبه
معاهد شرفت بالمصطفى فلها * من فضله شرف تعلو مراتبه
محمد المجتبى الهادي الشفيع إلى * ربّ العباد أمين الوحي عاقبه « 3 »
أوفى الورى ذمما ، أسماهم همما * أعلاهم كرما ، جلّت مناقبه « 4 »
هو المكمّل في خلق وفي خلق * زكت حلاه كما طابت مناسبه
عناية قبل بدء الخلق سابقة * من أجلها كان آتيه وذاهبه
جاءت تبشّرنا الرّسل الكرام به * كالصّبح تبدو تباشيرا كواكبه
أخباره سرّ علم الأولين وسل * بدير تيماء ما أبداه راهبه
تطابق الكون في البشرى بمولده * وطبّق الأرض أعلاما تجاوبه
فالجنّ تهتف إعلانا هواتفه * والجنّ تقذف إحراقا ثواقبه
ولم تزل عصمة التأييد تكنفه * حتى انجلى الحقّ وانزاحت شوائبه « 5 »
سرى وجنح ظلام الليل منسدل * والنّجم لا يهتدي في الأفق ساربه
يسمو لكلّ سماء منه منفرد * عن الأنام وجبرائيل صاحبه « 6 »
هامش
( 1 ) كلفوه : حملوه كلفة وجهدا ومشقة . والذوائب : جمع ذؤابة ، وهي الشعر في مقدم الرأس .
( 2 ) في ب « إن أنس لا أنس . . . » .
( 3 ) العاقب : محمد صلى اللّه عليه وسلم .
( 4 ) المناقب : جمع منقبة ، وهي الخصلة الحميدة .
( 5 ) تكنفه : تحفظه وتصونه .
( 6 ) جبرائيل : لغة في جبريل ، وهو اسم ملك الوحي .