إقبال ، فقد عاد دهره بعد النفار مواتيا ، ونزل على أهل المهلّب شاتيا ، ومجدكم كفيل بتبليغ أمله ، وتوسيع جذله ، وذلكم يد على معظمكم شكرها ، وعلى اللّه أجرها » ؛ انتهى .
[ ترجمة أبي القاسم محمد بن يحيى البرجي ، عن « الإحاطة » للسان الدين ]
والبرجي المذكور هو محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم ، الغساني البرجي ، يكنى أبا القاسم ، من أهل غرناطة ؛ قال في « الإحاطة » : هو فاضل مجمع على فضله ، صالح الأبوّة ، طاهر النشأة ، بادي الصيانة والعفة ، طرف في الخير والحشمة ، صدر في الأدب ، جمّ المشاركة ، ثاقب الفهم ، جميل العشرة ، ممتع المجالسة ، حسن الشّعر والخطّ والكتابة ، فذّ في الانطباع ، صناع اليدين « 1 » ، محكم العمل الكثير من الآلات العلمية ، ويجيد تفسير الكتب . رحل إلى العدوة ولقي جلّة ، وتوسّل إلى ملكها مجدّد الرسم ، ومقام « 2 » أولي الشهرة ، وعامر دست الشعر والكتابة ، أمير المسلمين أبي عنان ، فاشتمل عليه ، ونوّه به ، وملأ بالخير يده ، فاقتنى جدة وحظوة ، وذكرا وشهرة ، وانقبض مع استرسال الملك لفضل عقله ، حتى تشكى إليّ سلطانه بثّ ذلك عند قدومي عليه ، وآثر الراحة ، وجهد في التماس الرحلة الحجازية ، ونبذ الكل ، وقصر الخطوة ، وسلا الحظوة ، فأسعفه سلطانه بغرضه ، وجعل حبل همّه على غاربه « 3 » ، وأصحبه إلى النبي الكريم صلوات اللّه عليه رسالة من إنشائه وقصيدة من نظمه ، وكلاهما يعلن في الخلفاء ببعد شأوه « 4 » ، ورسوخ قدم علمه ، وعراقة البلاغة في نسب خصله ، ولمّا هلك وولي ابنه ملكه « 5 » وضاعف له التنويه ، فأجرى الخطّة على سبيل من السداد والنزاهة ، ثم لمّا ولي السلطان أبو سالم عمّه أجراه على الرسم المذكور ، واستجلى المشكلات بصدقه ، وهو الآن بحاله الموصوفة مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطاني على تعدّد مفاخره .
شعره - ثبت في كتاب « نفاضة الجراب » من تأليفنا عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب ليلة ميلاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذكر من أنشد ليلتئذ من الشعراء ما نصّه : وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي جملة السذاجة وكرم الخلق وطيب النفس وخدن العافية وابن الصلاح والعبادة ونشأة القرآن ، المتحيّز إلى حزب السلامة المنقبض عن الغمار ، العزوف عن فضول القول والعمل جامع المحاسن ، من عقل رصين وطلب ممتع وأدب نقاوة ويد صناع أبو القاسم بن أبي زكريا البرجي ، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة : [ البسيط ]
أصغى إلى الوجد لمّا جدّ عاتبه * صبّ له شغل عمّن يعاتبه « 6 »
هامش
( 1 ) صناع اليدين : أي أنه مجيد ماهر .
( 2 ) في ب « ومعتام » .
( 3 ) جعل حبله على غاربه : أي تركه وشأنه .
( 4 ) الشأو : الغاية .
( 5 ) في ب « وولي ابنه قدمه قاضيا بمدينة ملكه » .
( 6 ) أصغى : مال ، والوجد : شده العشق . وجدّ في الشيء : اهتم به .