إن كانت الآداب أضحت جنّة * فلقد غدا جنانها الجنان
أقلامه القضب اللّدان بدوحها * والزهر ما رقمته منه بنان « 1 »
وذكر في البيتين سجعا بليغا ،
[ من الشيخ الجنان إلى لسان الدين ]
ثم قال : فراجعني الجنان بما نصّه : [ السريع ]
يا خاطب الآداب مهلا فقد * ردّك عن خطبتها ابن الخطيب
هل غيره في الأرض كفء لها * وشرطها الكفاة قول مصيب
أصبح للشرط بها معرسا * فاستفت في الفسخ فهل من مجيب
« أيها السيد الذي يتنافس في لقائه ويتغالى ، ويصادم بولائه صرف الزمان ويتعالى ، وتستنتج نتائج الشرف بمقدمات عرفانه ، وتقتنص شوارد العلوم بروايات كلامه فكيف بمداناة عيانه ، جلوت عليّ من بنات فكرك عقائل نواهد ، وأقمت بها على معارفك الجمّة دلائل وشواهد ، واقتنصت بشرك بديهتك من المعاني أوابد شوارد « 2 » ، وفجّرت من بلاغتك وبراعتك حياضا عذبة الموارد ، ثم كلفتني من إجراء ظالعي في ميدان ضليعها « 3 » ، مقابلة الشمس المنيرة بسراج عند طلوعها ، فأخلدت إخلاد مهيض الجناح ، وفررت فرار الأعزل عن شاكي السلاح « 4 » ، وعلمت أنني إن أخذت نفسي بالمقابلة ، وأدليت دلو قريحتي للمساجلة « 5 » ، كنت كمن كلف الأيام مراجعة أمسها ، أو طلب ممّن علته السماء محاولة لمسها ، وإن رضيت من القريحة بسجيّتها ، وأظهرت القدر الذي كنت امتحت من ركيّتها ، أصبحت مسخرة للراوين والسامعين ، ونبت عن أسمى دواوينهم كما تنبو عن الأشيب عيون العين ، ثم إنّ أمرك يا سيدي لا يحلّ وثيق مبرمه ، ولا يحلّ نسخ محكمه ، فامتثلته امتثال من لم يجد في نفسه حرجا من قضائك « 6 » ، ورجوت حسن تجاوزك وإغضائك ، أبقاك اللّه تعالى قطبا لفلك المكارم والمآثر ، وفصّا لخاتم المحامد والمفاخر ، والسلام » ؛ انتهى .
[ ترجمة الشيخ أحمد بن محمد الجنان الأوسي ]
والجنان المذكور مغربي من مكناسة الزيتون ، وهو الشيخ الفقيه العدل الأديب الأخباري المشارك ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأوسي ، الجنان « 7 » ، من أهل الظرف
هامش
( 1 ) أي بنان الجنان .
( 2 ) الأوابد من المعاني : الغريبة ، والشوارد : أراد به الفذة الغريبة .
( 3 ) الظالع : الذي أصابه الظلع ، وهو شبه العرج ، والضليع : القوي على فعل ما يريد .
( 4 ) شاكي السلاح : مدجج به .
( 5 ) المساجلة : المناظرة .
( 6 ) أخذ هذا من قوله تعالى :فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ.
( 7 ) انظر ترجمته في نيل الابتهاج 50 .