والركب بين مصعّد ومصوّب * والنوم بين مسكّن ومنفّر
بيضا إذا اعتكرت ذوائب شعرها * سفرت فأزرت بالصباح المسفر
سرحت غلائلها فقلت سبيكة * من فضّة أو دمية من مرمر « 1 »
منحتك ما منعتك يقظانا فلم * تخلف مواعدها ولم تتغيّر
وكأنما خافت بغاة وشاتها * فأتتك من أردافها في عسكر
وبجزع ذاك المنحنى أدمانة * تعطو فتسطو بالهزبر القسور « 2 »
وتحية جاءتك في طيّ الصّبا * أذكى وأعطر من شميم العنبر
جرّت على واديك فضل ردائها * فعرفت فيها عرف ذاك الإذخر
هاجت بلابل نازح عن إلفه * متشوّق ذاكي الحشا متسعّر « 3 »
وإذا نسيت ليالي العهد التي * سلفت لنا فتذكّريها تذكري
رحنا تغنّينا ونرشف ثغرها * والشمس تنظر مثل عين الأخزر
والروض بين مفضّض ومعسجد * والجوّ بين ممسّك ومعصفر
وكان السلطان أمير المؤمنين أبو عنان المريني - رحمه اللّه تعالى ! - كثير العناية بنظم ابن خميس وروايته ، قال رحمه اللّه تعالى : أنشدنا القاضي خطيب حضرتنا العليّة أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرزاق بقصر المصارة يمنه اللّه قال : أنشدنا بلفظه شيخ الأدباء وفحل الشعراء ، أبو عبد اللّه بن خميس لنفسه « 4 » : [ الطويل ]
أنبت ولكن بعد طول عتاب * وفرط لجاج ضاع فيه شبابي
وما زلت والعياء تعني غريمها * أعلّل نفسي دائما بمتاب
وهيهات من بعد الشباب وشرخه * يلذّ طعامي أو يسوغ شرابي
خدعت بهذا العيش قبل بلائه * كما يخدع الصادي بلمع سراب
تقول هو الشهد المشور جهالة * وما هو إلّا السمّ شيب بصاب « 5 »
هامش
( 1 ) الدمية - بضم الدال وسكون الميم - التمثال من عاج ونحوه ، وتشبه بها المرأة البيضاء الجميلة .
( 2 ) الهزبر : الأسد . والقسور : الأسد الشجاع الغلاب .
( 3 ) النازح : المغترب ، البعيد .
( 4 ) انظر أزهار الرياض 2 : 316 .
( 5 ) الشهد : العسل ، والمشور : العسل المستخرج من خليته ، وشيب : خلط . والصاب : شجر مرّ الطعم .