لترتاض في تلك الرياض هنيئة * وتزداد من أزهارها طيب أردان « 1 »
وما غربت حتى تضاعف نشرها * بواسطتي روح هناك وريحان
فكم نحوكم حمّلتها من رسالة * مدوّنة في شرح حالي ووجداني
وناشدتها بالله إلّا تفضّلت * بتبليغ أحبابي السلام وجيراني
تحيّة مشتاق إلى ذلك الحمى * وسكّانه والنازحين بأظعان
سقى اللّه هاتيك الديار وأهلها * سحائب تحكي صوب مدمعي القاني
وحيّا ربوع الحيّ من خير بلدة * تخيّرها قدما أفاضل يونان
هي الحضرة العليا مدينة تونس * أنيسة إنسان رآها بإنسان
لها الفخر والفضل المبين بما حوت * من الإنس والحسن المنوط بإحسان
لقد حلّ منها آل حفص ملوكها * مراتب تسمو فوق هامة كيوان
وسادوا بها كلّ الملوك وشيّدوا * بها من مباني العزّ أفخر بنيان
وكان لهم فيها بهاء وبهجة * وحسن نظام لا يعاب بنقصان
وكان لهم فيها عساكر جمّة * تصول بأسياف وتسطو بمرّان « 2 »
جيوش وفرسان يضيق بها الفضا * وتحجم عنها الفرس من آل ساسان
وكان لأهليها المفاخر والعلا * وكان بها حصنا أمان وإيمان
وكان على الدنيا جمال بحسنها * وحسن بنيها من ملوك وأعيان
وكانت لطلّاب المعارف قبلة * لما في حماها من أئمّة عرفان
وكان لأهل العلم فيها وجاهة * وجاه وعزّ مجده ليس بالفاني
وكان بواديها المقدّس فتية * تقدّس باريها بذكر وقرآن
ومن أدباء النظم والنثر معشر * تفوق بناديها بلاغة سحبان « 3 »
وكانت على الأعداء في حومة الوغى * تطول بأبطال ، وتسطو بشجعان
وما برحت فيها محاسن جمّة * وفي كلّ نوع أهل حذق وإتقان
إلى أن رمتها الحادثات بأسهم * وسلّت عليها سيف بغي وعدوان
هامش
( 1 ) الأردان : جمع ردن وهو أصل الكم .
( 2 ) المرّان : هنا الرماح الصلبة اللدنة . وفي الأصل : شجر تتخد منه الرماح .
( 3 ) سحبان وائل : أشهر خطباء العرب في الجاهلية .