فما لبثت تلك المحاسن أن عفت * وأقفر ربع الأنس من بعد سكان « 1 »
وشتّت ذاك الشمل من بعد جمعه * كما انتثرت يوما قلائد عقيان
فأعظم برزء خصّ خير مدينة * وخير أناس بين عجم وعربان
لعمري لقد كادت عليها قلوبنا * تضرّم من خطب عراها بنيران « 2 »
وقد عمّنا غمّ بعظم مصابها * وإن خصّني منه المضرّ بجثماني
وما بقيت فيما علمناه بلدة * من الشرق إلّا ألبست ثوب أحزان
فصبرا أخي صبرا على المحنة التي * رمتك بها الأقدار ما بين إخوان
فما الدّهر إلّا هكذا فاصطبر له * رزيّة مال أو تفرّق خلّان
أأحبابنا إن فرّق الدّهر بيننا * وطال مغيبي عنكم منذ أزمان
فإني على حفظ الوداد وحقّكم * مقيم ، وما هجر الأحبّة من شاني
وو اللّه واللّه العظيم أليّة * على صدقها قامت شواهد برهان « 3 »
لقد زاد وجدي واشتياقي إليكم * وبرّح بي طول البعاد وأضناني
فلا تحسبوا أني تسلّيت بعدكم * بشيء من الدنيا وزخرفها الفاني
ولا أنني يوما تناسيت عهدكم * بحال ، ولا أنّ التكاثر ألهاني
ولا راقني روض ، ولا هشّ مسمعي * لنغمة أطيار ورنّة عيدان
ولا حلّ في فكري سواكم بخلوة * ولا جلوة ما بين حور وولدان
ولا اختلجت يوما ضمائر مهجتي * لغيركم في سرّ سرّي وإعلاني
ولو لم أسلّ النّفس بالقرب واللقا * لأدرج جسمي في مقاطع أكفاني
فما أنا في عودي إليكم بآيس * فما اليأس إلّا من علامة كفران
عليكم سلام اللّه في كلّ ساعة * تحيّة صبّ لا يدين بسلوان
مدى الدهر ما ناحت مطوّقة وما * تعاقب بين الخافقين الجديدان « 4 »
[ نونية لسان الدين بن الخطيب في فتح تلمسان ]
ولصاحب الترجمة لسان الدين ابن الخطيب قصيدة طنّانة بهذا الوزن والقافية ، مدح بها
هامش
( 1 ) عفت : درست وانمحت معالمها .
( 2 ) الخطب : الرزء الفادح ، وعراها : نزل بها .
( 3 ) الألية - بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء : القسم ، اليمين .
( 4 ) المطوقة : الحمامة .