لم نعتقد بعدكم إلّا الوفاء لكم * رأيا ولم نتقلّد غيره دينا
كنّا نرى اليأس تسلينا عوارضه * وقد يئسنا فما لليأس يغرينا
بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا * شوقا إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا * يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت * سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألّفنا * ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانية * قطوفها فجنينا منه ماشينا « 1 »
ليسق عهدكم عهد السرور فما * كنتم لأرواحنا إلّا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيّرنا * إن طال ما غيّر النأي المحبّينا
واللّه ما طلبت أهواؤنا بدلا * منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به * من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
واسأل هنالك هل عنّى تذكّرنا * إلفا تذكّره أمسى يعنّينا « 2 »
ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيّتنا * من لو على البعد حيّا كان يحيينا
من لا يرى الدهر يقضينا مساعفة * فيه وإن لم يكن عنّا يقاضينا
من بيت ملك كأنّ اللّه أنشأه * مسكا وقد أنشأ اللّه الورى طينا « 3 »
أو صاغه ورقا محضا وتوّجه * من ناصع التّبر إبداعا وتحسينا
إذا تأوّد آدته رفاهية * توم العقود وأدمته البرى لينا « 4 »
كانت له الشمس ظئرا في تكلّله * بل ما تجلّى لها إلّا أحايينا « 5 »
كأنما أثبتت في صحن وجنته * زهر الكواكب تعويذا وتزيينا
ما ضرّ أن لم نكن أكفاءه شرفا * وفي المودّة كاف من تكافينا
هامش
( 1 ) هصر الغصن : أماله . وماشينا : ما شئنا .
( 2 ) يعنّينا : يتعبنا .
( 3 ) في الديوان « ربيب ملك كأن اللّه أنشأه » .
( 4 ) تأود : تثنى . وآدته : أثقلته وأعجزته . وتوم العقود : فاعل آد . وأدمته : أسالت دمه . والبرى : الخلاخيل ، واحدها برة . ووقع في ب : « إذا تأوّد أدته . . . تدمى العقول » محرفا .
( 5 ) الظئر : المرضعة ولدها .