ليس ذا وجه من يضيف ولا يق * ري « 1 » ولا يدفع الأذى عن حريم
فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فولّ وجهك عنه قبلة ترضاها ، ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا ربّ حشمة ونعمة ، ومن نشأ في رفاهية ومروءة ، فإنك تنام معه في مهاد العافية ، وإن الجياد على أعراقها تجري ، وأهل الأحساب والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة ، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مروان : أشرب مصعب « 2 » الخمر ؟ فقال عبد الملك ، وهو عدوّ له محارب له على الملك : لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه [ بحر الكامل ] .
والفضل ما شهدت به الأعداء
يا بني ، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغيّر ، وقد قيل : اصحب من شئت فإنك مفارقه ، فمتى فارقت أحدا فعلى حسنى في القول والفعل ، فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه ، فلذلك قال الأول : [ بحر الطويل ]
ولما مضى سلم بكيت على سلم
وإياك والبيت السائر : [ بحر الوافر ]
وكنت إذا حللت بدار قوم * رحلت بخزية « 3 » وتركت عارا
واحرص على ما جمع قول القائل : ثلاثة تبقي لك الودّ في صدر أخيك ، أن تبدأه بالسلام ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه ، واحذر كل ما بينه لك القائل :
كلّ ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإنك إذا غرسته يقلعك ، وقول الآخر : ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن ، وقول الآخر : ابن آدم ذئب مع الضعف ، أسد مع القوّة ، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره ، فيحكى أن ابن المقفّع خطب من الخليل « 4 » صحبته ، فجاوبه : إن الصحبة رقّ ، ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك ، واستمل من عين من تعاشره ، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن
هامش
( 1 ) يقري : يجعل الزاد لضيفه .
( 2 ) مصعب : هو مصعب بن الزبير وكان عدوا لعبد الملك بن مروان وجرت بينهما معركة كان النصر فيها لعبد الملك وقتل مصعب .
( 3 ) الخزية : العيب والعار .
( 4 ) الخليل : هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وكان عالما في اللغة والأدب والنحو إضافة إلى وضعه علم العروض .