تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
واصبر على خلق من تعاشره * وداره فاللبيب من دارا « 1 »
واتخذ الناس كلهم سكنا * ومثّل الأرض كلّها دارا
واصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر ، وسلّم الكرم والصبر : [ بحر الكامل ]
ولو أن أوطان الديار نبت بكم * لسكنتم الأخلاق والآدابا
إذ حسن الخلق أكرم نزيل ، والأدب أرحب منزل ، ولتكن كما قال بعضهم « 2 » في أديب متغرّب : وكان كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد ، وإليه قصد ، غير مستريب « 3 » بدهره ، ولا منكر شيئا من أمره ، وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلما ، وهبّ في روض أخلاقه هبوب النسيم ، وحلّ بطرفه حلول « 4 » الوسن « 5 » ، وانزل بقلبه نزول المسرة ، حتى يتمكن لك وداده ، ويخلص فيك اعتقاده ، وطهر من الوقوع [ فيه ] لسانك ، وأغلق سمعك ، ولا ترخّص في جانبه لحسود لك منه ، يريد إبعادك عنه ، لمنفعته ، أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ، ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ، ولا تتمهد بدوام رقدته ، فقد ينبهه الزمان ، ويغير منه القلب واللسان ، ولذا قيل : إذا أحببت فأحبب هونا ما ، ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوّا والعدوّ صديقا ، وإنما العاقل من جعل عقله معيارا ، وكان كالمرآة يلقى كل وجه بمثاله ، وجعل نصب ناظره قول أبي الطيب : [ بحر الوافر ]
ولما صار ودّ الناس خبّا « 6 » * جزيت على ابتسام بابتسام
وفي أمثال العامة : من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل ، فاحتذ بأمثلة « 7 » من جرّب ، واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال ، فإنها خلاصة عمرهم ، وزبدة تجاربهم ، ولا تتكل على عقلك ، فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غاليا بتجاربهم يربحك ، ويقع عليك رخيصا ، وإن رأيت من له مروءة وعقل وتجربة فاستفد منه ، ولا تضيع قوله ولا فعله « 8 » ، فإن فيما تلقاه تلقيحا لعقلك ، وحثّا لك واهتداء ، وإياك أن تعمل بهذا البيت في كل موضع : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) في ب : « دارى » . ( 2 ) في ب ، ه : « كما قال أحدهم » . ( 3 ) مستريب : متشكك . ( 4 ) في ب ، ه : « محلّ الوسن » . ( 5 ) الوسن : النعاس . ( 6 ) خبّا : الخبّ : الخبث ، والخداع ، والغش . ( 7 ) في ب : « فاحتذ مثله » . ( 8 ) في ب : « فعله ولا قوله » .