تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
لا تبينه ، فإن الكلام سلاح السلم ، وبالأنين يعرف ألم الجرح ، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك ، وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار ، وتسلم للأقدار : [ المنسرح ]
واقبل من الدهر ما أتاك به * من قرّ عينا بعيشه نفعه
إذ الأفكار تجلب الهموم ، وتضاعف الغموم ، وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب ، يستريب به الصاحب ، ويشمت العدوّ المجانب ، ولا تضر بالوساوس إلا نفسك ، لأنك تنصر بها الدهر عليك ، وللّه در القائل : [ بحر الوافر ]
إذا ما كنت للأحزان عونا * عليك مع الزمان فمن تلوم ؟
مع أنه لا يردّ عليك الفائت الحزن ، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن ، ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم ، وعشقته الغموم ، من صغره إلى كبره ، لا تراه أبدا خليا من فكره ، حتى [ لقد ] « 1 » لقب بصدر الهم ، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ، ويتنكد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم ، وينشد : [ بحر المتقارب ]
توقع زوالا إذا قيل تم
وينشد : [ بحر الطويل ]
وعند التّناهي يقصر المتطاول « 2 »
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ، ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعا ، ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدا لك ، وقصدا لتصغير قدرك عندك ، وتزهيدا لك فيه ، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك ، وتركن إلى العلم الذي مدحوه ، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه ، فبقي مخبل المشي [ كما قيل ] « 3 » : [ بحر الكامل ]
حسد القطا وأراد يمشي مشيها * فأصابه ضرب من العقّال « 4 »
هامش
( 1 ) ساقطة في ب . ( 2 ) للمعري :فإن كنت تبغي العز فابغ توسطا * وعند التناهي يقصر المتطاول( 3 ) ما بين حاصرتين سقط من ب ، ه . ( 4 ) البيت ساقط من ب .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 471 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي