والتجول في البلاد ، حتى قضى مناه ، وألقى بهذه المدينة عصاه ، لا يخطر الهم له ببال ، ولا يبيت إلا على وعد من وصال ، وله حين سمع ما ارتجلته في السكين بالإسكندرية حين داعبني باختلاسها القاضي زين القضاة بن الرّيغي ، وقال : ما لي إليه سبيل ، حتى يحضر مصري « 1 » نبيل : [ الطويل ]
أيا سارقا ملكا مصونا ولم يجب * على يده قطع وفيه نصاب
ستندبه الأقلام عند عثارها * ويبكيه إن يعد الصّواب كتاب
« 2 » فقال : [ الطويل ]
أحاجيك ما شيء إذا ما سرقته * وفيه نصاب ليس يلزمك القطع
على أنّ فيه القطع والحدّ ثابت * ولا حدّ فيه ، هكذا حكم الشّرع
انتهى كلام ابن سعيد من كتابه « القدح المعلى » فيما أظن .
ويعني واللّه سبحانه وتعالى أعلم بقوله « وبهذه الحضرة العلية » حضرة تونس المحروسة ، فإنها كانت محط رحال الأفاضل ، من الأواخر والأوائل ، حتى إن قاضي القضاة ابن خلدون أقام بها مدة ، ومنها ارتحل إلى مصر ، وكذلك الخطيب الجليل سيدي أبو عبد اللّه بن مرزوق رحمه اللّه تعالى ، ومنها خاطب الوزير لسان الدين بن الخطيب وسلطانه في الشفاعة له عند سلطان المغرب ، فكتب لسان الدين عن سلطانه في ذلك ما نصه : المقام الذي نؤكد إليه ببر سلفه الوداد ، ونغري بتخليد فخره وأمره القلم والمداد ، ونصل به الاستظهار على عدو اللّه تعالى والاستعداد « 3 » ، ونخطب له من اللّه بهزّ أعطافه للخير والتوفيق والسداد ، والإعانة منه والإمداد ، مقام محل أخينا الذي اشتهر فضله ودينه ، ووضح سعده متألقة براهينه ، وحياه الصنع الجميل وبيّاه مشرقا جبينه ، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ، أبقاه اللّه يرعى الذّمم ، ويسلك من الفضائل المنهج الأمم « 4 » ، ويغلي البضائع النافقة عند اللّه تعالى ويعلي الهمم ، معظم قدره ، وملتزم بره ، الحريص على توفير أجره ، وتخليد فخره ، فلان ، أما بعد حمد اللّه تعالى ناصر الإمرة المطاعة ، المحافظة على السنة والجماعة ، وحافظها من الإضاعة ، إلى قيام الساعة ، الذي جعل المودة فيه أنفع الوسائل النفّاعة ، والصلاة والسلام على
هامش
( 1 ) في القدح : ما إليها سبيل ، حتى يحضر لك فيها معنى نبيل .
( 2 ) عثارها : العثرة : الزلّة .
( 3 ) في ب ، ه : والاعتداد .
( 4 ) الأمم : القريب .