وأشفينا على الغرق ، فلاح لنا ونحن على هذه الحال منار الإسكندرية ، فسررنا برؤيته ، وطمعنا في السلامة ، فقال لي : لا بد أن أعمل في المنار شيئا ، فقلت له : أعلى مثل هذه الحال التي نحن فيها ؟ فقال : نعم ، فقلت : فاصنع ، فأطرق ثم عمل بديها : [ البسيط ]
للّه درّ منار اسكندريّة كم * يسمو إليه على بعد من الحدق
من شامخ الأنف في عرنينه شمم * كأنّه باهت في دارة الأفق
« 1 »
يكسّر الموج منه جانبي رجل * مشمّر الذّيل لا يخشى من الغرق
لا يبرح الدّهر من ورد على سفن * ما بين مصطبح منها ومغتبق
للمنشآت الجواري عند رؤيته * كموقع النّوم من أجفان ذي أرق
وتقدمت ترجمة الكاتب أبي عبد اللّه بن عبد ربه ، وأظنه هذا ، فليتنبه له ، بل أعتقد أنه هو لا غيره ، واللّه تعالى أعلم .
67 - ومنهم أبو عبد اللّه محمد بن الصفار ، القرطبي
« 2 » .
قال في القدح المعلى : بيتهم مشهور بقرطبة ، لم يزل يتوارث في العلم والجاه وعلو المرتبة ، ونشأ أبو عبد اللّه هذا حافظا للآداب ، إماما في علم الحساب ، مع أنه كان أعمى مقعدا مشوه الخلقة ، ولكنه إذا نطق علم كل منصف حقه ، ومن عجائبه أنه سافر على تلك الحالة ، حتى غدت بغداد له هالة « 3 » ، اجتمعت به بحضرة تونس فرأيت بحرا زاخرا ، وروضا ناضرا ، إلا أنه حاطب ليل « 4 » ، وساحب ذيل ، لا يبالي ما أورده ، ولا يلتفت إلى ما أنشده ، جامعا بين السمين والغث ، حافظا للمتين والرث ، وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس وغيرها .
ومن مشهور حكاياته أنه لما قال أبو زيد الفازازي « 5 » في أبي علي « 6 » المستنصر قصيدته التي مطلعها : [ البسيط ]
الحزم والعزم منسوبان للعرب
هامش
( 1 ) العرنين : الأنف .
( 2 ) انظر ترجمته في القدح المعلى ص 203 - 206 .
( 3 ) الهالة : دارة القمر . وقد شبه صاحب القدح الصفار بالقمر وبغداد بهالته .
( 4 ) حاطب ليل : أي لا يبالي بما يعجبه ولا يدرك الغث من السمين .
( 5 ) في القدح : الفزاري .
( 6 ) في ب : أبي العلاء .