تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
في النهر الراجع ، فذهب بها الماء إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدم تلك الناحية ، فعلمت السر ، وإن هذا لعجيب ، انتهى بمعناه . وقال في « قانون التأويل » : ورد علينا ذانشمند « 1 » - يعني الغزالي - فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية ، معرضا عن الدنيا ، مقبلا على اللّه تعالى ، فمشينا إليه ، وعرضنا أمنيتنا عليه ، وقلت له : أنت ضالّتنا التي كنا ننشد ، وإمامنا الذي به نسترشد ، فلقينا لقاء المعرفة ، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة ، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه عليّ بن العباس لما قال « 2 » : [ المتقارب ]
إذا ما مدحت امرا غائبا * فلا تغل في مدحه واقصد
فإنّك إن تغل تغل الظّنو * ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظّمته * لفضل المغيب على المشهد
وكنت نقلت من المطمح في حقه ما صورته : الفقيه الحافظ أبو بكر بن العربي « 3 » علم الأعلام الطاهر الأثواب ، الباهر الألباب ، الذي أنسى ذكاء إياس « 4 » ، وترك التقليد للقياس ، وأنتج الفرع من الأصل ، وغدا في يد « 5 » الإسلام أمضى من النّصل ، سقى اللّه تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف ، ومد عليها منه الظلّ الوارف ، وكساها رونق نبله ، وسقاها ريّق وبله ، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدرا في فلكها ، وصدرا في مجلس ملكها ، واصطفاه معتمد بني عبّاد ، اصطفاء المأمون لابن أبي دواد « 6 » ، وولاه الولايات الشريفة ، وبوّأه المراتب المنيفة ، فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت ، وألقتهم منها وتخلّت ، رحل به إلى المشرق ، وحل فيه محل الخائف الفرق ، فجال في أكنافه ، وأجال قداح الرجاء في استقبال العزو استئنافه ، فلم يسترد ذاهبا ، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا ، فعاد إلى الرواية والسماع ، وما استفاد من آمال تلك الأطماع ، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوّح « 7 » ، وفي روض الشباب زهر ما صوّح « 8 » ، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا ، ولازمه سائقا إليها وحاديا ، حتى استقرت
هامش
( 1 ) في ب : دانشمند ، وهو الحكيم العلامة . ( 2 ) علي بن عباس : هو الشاعر المعروف ، ابن الرومي . ( 3 ) الفقيه الحافظ أبو بكر بن العربي : العبارة غير موجودة في ب . ( 4 ) إياس : هو إياس بن معاوية الذي كان يضرب فيه المثل في الذكاء . ( 5 ) يد : سقطت من ب ، وهي موجودة في المطمح . ( 6 ) المأمون : هو ابن هارون الرشيد . وابن أبي دؤاد : القاضي أحمد بن أبي دؤاد . ( 7 ) ما دوّح : أي لم يصر دوحة بعد ، والدوحة : الشجرة العظيمة الممتدة الوارفة الظلال . ( 8 ) صوّح : ذبل وذوى .