من المحاسن ، في كلام غير واحد ممن يجري ذكره في هذا الكتاب ، وخصوصا أديب زمانه غير مدافع ، من اعترف له أهل الشرق ، بالسبق ، وأهل المغرب ، بالإبداع المغرب ، النور أبو الحسن علي بن سعيد العنسي ، فإنه لما اتصل بمصر « 1 » ودخلها اشتاق إلى تلك المواطن الأندلسية الرائقة ، ووصفها بالقصائد والمقطوعات الفائقة ، وقد أسلفنا أيضا فيما مر من هذا الكتاب بعض ما يتعلق بمحاسن « 2 » الأندلس ، فليراجع في محله من هذا الكتاب .
قلت : وما ذا عسى أن نذكر من محاسن قرطبة الزهراء والزهرا ، أو نصف من محاسن الأندلس التي تبصر بكل موضع منها ظلا ضافيا ونهرا صافيا « 3 » وزهرا ، ويرحم اللّه تعالى أديبها المشهور ، الذي اعترف له بالسبق الخاصة والجمهور ، أبا إسحاق بن خفاجة ، إذ قال « 4 » :
[ البسيط ]
يا أهل أندلس للّه درّكم * ماء وظلّ وأنهار وأشجار
ما جنّة الخلد إلّا في دياركم * ولو تخيّرت هذا كنت أختار
لا تحسبوا في غد أن تدخلوا سقرا * فليس تدخل بعد الجنّة النّار
« 5 » ويروى مكان قوله : وهذه كنت لو خيرت أختار .
وكذا رأيت بخط الحافظ التّنسي « 6 » ، والأول رأيته بخط العلامة الوانشريشي ، رحمهما اللّه تعالى ! .
[ وصف المتنزهات من شعر ابن خفاجة ]
وحكي أن الخليليّ لما قدم من الأندلس رسولا إلى سلطان المغرب أبي عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن المريني أنشد بحضرة السلطان المذكور أبيات ابن خفاجة هذه كالمفتخر ببلاد الأندلس ، فقال السلطان أبو عنان : كذب هذا الشاعر ، يشير إلى كونه جعلها جنة الخلد ، وأنه لو خير لاختارها على ما في الآخرة ، وهذا خروج من ربقة الدين ، ولا أقلّ من الكذب والإغراق ، وإن جرت عادة الشعراء بذلك الإطلاق ، فقال الخليليّ : يا مولانا ، بل صدق
هامش
( 1 ) في ب ، ه : فإنه لما دخل مصر .
( 2 ) في ب ، ه : محاسن قرطبة الزاهرة والزهرا .
( 3 ) في ب : ونهرا وزهرا .
( 4 ) ديوان ابن خفاجة ص 264 .
( 5 ) في ج : لا تختشوا بعد ذا أن تدخلوا سقرا .
( 6 ) التنسي : نسبة إلى قرية تنس وهي بلدة في ساحل إفريقية .