تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
تلك الحدائق أربا ، وأفتنا منها أترابا عربا « 1 » ، ملنا إلى موضع المقيل ، ونزلنا بمنازه « 2 » تزري بمنازه جذيمة مع مالك وعقيل « 3 » ، وعند وصولنا بدا لي من أحد الأصحاب تقصير في المبرة ، عرض لي منه تكدير لتلك العين الثرة « 4 » ، فأظهرت التثاقل أكثر ذلك اليوم ، ثم عدلت عنهم إلى الاضطجاع والنوم ، فما استيقظت إلا والسماء قد نسخ صحوها ، وغيم جوها ، والغمام منهمل ، والثرى من سقياه ثمل ، فبسطني بتحفيه ، وأبهجني يبر له لم يزل يتمه « 5 » ويوفيه ، وأنشدني : [ البسيط ]
يوم تجهّم فيه الأفق وانتثرت * مدامع الغيث في خدّ الثّرى هملا
رأى وجومك فاربدّت طلاقته * مضاهيا لك في الأخلاق ممتثلا

[ ومن ترجمة ابن أضحى ]

وقال في ترجمة الوزير القاضي أبي الحسن بن أضحى ، ما نصه : وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى القضاء به ابن من أحسن الناس صورة ، وكانت محاسن الأفعال والأقوال عليه مقصورة ، مع ما شئت من لسن ، وصوت حسن ، وعفاف ، واختلاط بالنّبهاء « 6 » والتفاف ، فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر ، أحسن من شاذمهر « 7 » ، تشقّها جداول كالصّلال ، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال ، ومعنا جملة من أعيانها فأحضرنا من أنواع الطعام ، وأرانا من فرط الإكرام والإنعام ، ما لا يطاق ولا يحلو « 8 » ، ويقصر عن بعضه العد ، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته فقابلته بكلام اعتقده ، وملام أحقده « 9 » ، فلما كان من الغد لقيت منه اجتنابه ، ولم أر منه ما عهدته من الإنابة ، فكتبت إليه مداعبا ، فراجعني بهذه القطعة : [ الطويل ]
أتتني أبا نصر نتيجة خاطر * سريع كرجع الطّرف في الخطرات
فأعربت عن وجد كمين طويته * بأهيف طاو فاتر اللّحظات
هامش
( 1 ) الأتراب : جمع ترب وهو المساوي لك في السن . والعرب ، بضمتين : جمع عروب ، وهي المرأة المتحببة إلى زوجها . ( 2 ) في ب ، ه : وزلنا عن منازه . ( 3 ) جذيمة : هو جذيمة الأبرش ، ومالك وعقيل : نديماه . ( 4 ) العين الثرة : الكثيرة فيض الماء . ( 5 ) في ب : يتممه . ( 6 ) في ب : بالبهاء . ( 7 ) شاذمهر : منتزه بنيسابور . ( 8 ) في ب : ولا يحد . ( 9 ) في ب : بكلام أحقده ، وملام أعتقده .