تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
محلّ ارتياح يذكر الخلد طيبه * إذا عزّ أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
« 1 »
هناك الجمام الزّرق تندى حفافها * ظلال عهدت الدّهر فيها فتى سمحا
« 2 »
تعوّضت من شدو القيان خلالها * صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا
ومن حملي الكأس المفدّى مديرها * تقحّم أهوال حملت لها الرّمحا
أجل إنّ ليلي فوق شاطىء بيطة * لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا
« 3 » وهذه معاهد بني أمية قطعوا بها ليالي وأياما ، وظلت فيها الحوادث عنهم نياما ، فهاموا بشرق العقاب ، وشاموا به برقا يبدو من نقاب ، ونعموا بجوفيّ الرّصافة ، وطمعوا عيشا تولى الدهر جلاءه وزفافه ، وأبعدوا نصح الناصح ، وحمدوا أنس محبس « 4 » ناصح ، وعموا بالزهراء ، وصمّوا عن نبأ صاحب الزوراء ، حتى رحلهم الموت عنها وقوّضهم ، وعوّضهم منها ما عوّضهم ، فصاروا أحاديث وأنباء ، ولم يتزودوا منها إلا حنوطا وكباء ، وغدت تلك المعاهد تصافحها أيدي الغير ، وتناوحها نعبات الطير ، وراحت بعد الزينة سدى ، وأمست مسرحا للبوم وملعبا للصّدى ، يسمع للجنّ بها عزيف ، ويصرع فيها البطل الباسل والنزيف ، وكذا الدنيا أعمالها خراب ، ومآلها آل وسراب « 5 » ، أهلكت أصحاب الأخدود ، وأذهبت ما كان بمأرب من حيازات وحدود ، انتهى . وقال الفتح بعد كلام ما صورته : ولما عضّته أنياب الاعتقال ، ورضّته تلك النوب الثقال ، وعوّض بخشانة العيش من اللين ، وكابد قسوة خطب لا تلين ، تذكر عهد عيشه الرقيق ، ومرحه بين الرّصافة والعقيق ، وحنّ إلى سعد زرّت عليه جيوبه ، واستهدى نسيم عيش طاب له هبوبه ، وتأسّى بمن باتت له النوائب بمرصاد ، ورمته بسهام ذات إقصاد وضيم من عهد الأحصّ إلى ذات الإصاد « 6 » فقال « 7 » : [ الخفيف ]
هامش
( 1 ) يصدى : يعطش . يضحى : يتعرض لحر الشمس . ( 2 ) الجمام : جمع جمة ؛ وهي مكان اجتماع الماء . ( 3 ) في الديوان : شاطىء نيطة . ( 4 ) في ب : مجلس ناصح . ( 5 ) في ب ، ه : وآمالها . والآل ، والسراب بمعنى واحد ، وهو ما يحسبه الإنسان في الصحراء ماء ، وإنما هو انعكاس أشعة الشمس على الرمال . ( 6 ) الأحص : مكان بنجد كان يحميه كليب وائل . وذات الإصاد : من بلاد فزارة والذي ضيم في الأحص . وذات الإصاد بنو مرة ، ثم ثأروا بقتل كليب . ( 7 ) ديوان ابن زيدون ص 123 .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 133 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي