تلاحق رجله وخيله ، حتى أمكنتهم منه عثرة لم يقل لها لعا ، ولا استقال « 1 » منها ولا سعى ، فترك ملتحفا في الظلماء « 2 » ، تحت نجوم السماء « 3 » ، معفرا في وسط أكماء « 4 » ، تحرسه الكواكب ، بعد المواكب ، ويستره الحندس « 5 » ، بعد السندس « 6 » ، فمر بمصرعه سحرا أحد أئمة الجامع المغلّسين ، فرآه وقد ذهب ما كان عليه ومضى ، وهو أعرى من الحسام المنتضى ، فخلع رداءه عن منكبيه ونضاه ، وستره به سترا أقنع المجد به وأرضاه ، وأصبح لا يعلم رب تلك الصنيعة ، ولا يعرف فتشكر له يده الرفيعة ، فكان المعتمد إذا تذكر صرعته ، وسعّر الحزن لوعته ، رفع بالعويل نداءه ، وأنشد « ولم أدر من ألقى عليه رداءه » « 7 » ، ولما كان من الغد حزّ رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم ، ويرشق نفس كل ناظر بألم ، فلما رمقته الأبصار ، وتحققته الحماة والأنصار ، رموا أسلحتهم ، وسوّوا للفرار أجنحتهم ، فمنهم من اختار فراره وجلاه ، ومنهم من أتت به إلى حينه رجلاه ، وشغل المعتمد عن رثائه بطلب ثاره ، ونصب الحبائل لوقوع ابن عكاشة وعثاره ، وعدل عن تأبينه ، إلى البحث عن مفرقه وجبينه ، فلم تحفظ له فيه قافية ، ولا كلمة للوعته شافية ، إلا إشارته إليه ، في تأبين أخويه ، المأمون والراضي المقتولين في أول النائرة « 8 » ، والفتنة الثائرة ، انتهى .
وقد رأيت أن أزيد على ما تقدم - مما قصدت جلبه في هذا الموضع - نبذة من كلام الفتح في ذكر منتزهات قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس ووصف مجالس الأنس التي كانت بها مما تنشرح له الأنفس ، ووقع ذكر غير قرطبة والزهراء لهما تبعا ، ولا يخلو ذلك من عبرة بحال من جعل في اللهو مصيفا ومرتبعا ، ثم طواه الدهر طيّ السجل ، ومحا آثاره التي كانت تسمو وتجلّ ، وما قصدنا علم اللّه غير الاعتبار ، بهذه الأخبار ، لا الحث على الحرام ، وتسهيل القصد إليه والمرام ، والأعمال بالنيات ، واللّه سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات ، وتعويضنا عن هذه النعم الفانيات ، بالنعم الباقيات السنيّات .
هامش
( 1 ) في ب ، ه : ولا استقل منها .
( 2 ) في ب ، ه : ملتحفا بالظلما .
( 3 ) في ب ، ه : السما .
( 4 ) في ب ، ه : في وسط الحمى .
( 5 ) الحندس : الظلام الشديد .
( 6 ) السندس : نوع من رقيق الحرير .
( 7 ) هذا صدر بين لأبي خراش الهذلي ، وهو :ولم أدر من ألقى عليه رداءه * سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض( 8 ) النائرة : العداوة الشديدة .