تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
الذي هو عام تسعة وثلاثين وألف مكة خمس مرات ، حصلت لي بالمجاورة فيها المسرّات ، وأمليت فيها على قصد التبرّك دروسا عديدة ، واللّه يجعل أيام العمر بالعود إليها مديدة ، ووفدت على طيبة المعظّمة ميمّما مناهجها السديدة ، سبع مرار ، وأطفأت بالعود إليها ما بالأكباد الحرار ، واستضأت بتلك الأنوار ، وألّفت بحضرته صلّى اللّه عليه وسلّم بعض ما منّ اللّه به عليّ في ذلك الجوار ، وأمليت الحديث النبويّ بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع ، ونلت بذلك وغيره - وللّه المنّة - ما لم يكن لي فيه مطمح ولا مطمع ، ثم أبت إلى مصر مفوّضا للّه جميع الأمور ، ملازما خدمة العلم الشريف بالأزهر المعمور ، وكان عودي من الحجة الخامسة بصفر سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة ، فتحرّكت همّتي أوائل رجب هذه السنة للعود للبيت المقدّس ، وتجديد العهد بالمحلّ الذي هو على التقوى مؤسّس ، فوصلت أواسط رجب ، وأقمت فيه نحو خمسة وعشرين يوما بدا لي فيها بفضل اللّه وجه الرشد وما احتجب . وألقيت عدة دروس بالأقصى والصخرة المنيفة ، وزرت مقام الخليل ومن معه من الأنبياء ذوي المقامات الشريفة ، وكنت حقيقا بأن أنشد قول ابن مطروح « 1 » ، في ذلك المقام الذي فضله معروف وأمره مشروح : [ الوافر ]
خليل اللّه ، قد جئناك نرجو * شفاعتك التي ليست تردّ
أنلنا دعوة واشفع تشفّع * إلى من لا يخيب لديه قصد
وقل يا ربّ أضياف ووفد * لهم بمحمّد صلة وعهد
أتوا يستغفرونك من ذنوب * عظام لا تعدّ ولا تحدّ
إذا وزنت بيذبل أو شمام * رجحن ودونها رضوى وأحد « 2 »
ولكن لا يضيق العفو عنهم * وكيف يضيق وهو لهم معدّ
وقد سألوا رضاك على لساني * إلهي ما أجيب وما أردّ
فيا مولاهم عطفا عليهم * فهم جمع أتوك وأنت فرد

[ ثم زيارة إلى دمشق ووصفها ]

ثم استوعبت أكثر تلك المزارات المباركة كمزار موسى الكليم ، على نبيّنا وعليهم وعلى سائر المرسلين والأنبياء أجمعين أفضل الصلاة والتسليم ، ثم حدث لي منتصف شعبان ، عزم على الرحلة إلى المدينة التي ظهر فضلها وبان ، دمشق الشام ذات الحسن والبهاء والحياء
هامش
( 1 ) هو جمال الدين يحيى بن عيسى المتوفى سنة 649 ه . شاعر مصري ( وفيات الأعيان 5 / 302 ) . ( 2 ) يذبل ، وشمام ، ورضوى ، وأحد : أسماء جبال .