جعفر المتوكل ابن المعتصم فنزل الهاروني « 1 » ، وآثره على جميع قصور المعتصم وأنزل ابنه محمدا المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق « 2 » » . وقال أبو علي التنوخي : « ومن ملح أخبار القاضي أحمد بن أبي دؤاد ما حكي أن المعتصم كان بالجوسق مع ندمائه وقد عزم على الاصطباح وأمر كلا منهم ان يطبخ قدرا ونظر سلامة غلام أحمد بن أبي دواد فقال : هذا غلام ابن أبي دواد جاء ليعرف خبرنا والساعة يأتي فيقول : فلان الهاشمي وفلان القرشي وفلان الأنصاري وفلان العربيّ فيقطعنا بحوائجه عما كنا عزمنا عليه وأنا أشهدكم أني لا أقضي له اليوم حاجة . فلم يكن بأسرع من أن دخل ايتاخ يستأذن لأحمد بن أبي دواد . فقال ( المعتصم ) لجلسائه : كيف ترون ؟ قالوا : لا تأذن له يا أمير المؤمنين . قال : سوأة لهذا الرأي واللّه لحمّى سنة أسهل عليّ من ذلك . فأذن له ، فدخل ، فما هو إلا أن سلم وجلس حتى أسفر وجه المعتصم وضحكت اليه جوارحه ثم قال : يا أبا عبد اللّه قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدرا وقد جعلناك حكما في أطيبها ، قال : فلتحضر لآكل وأحكم بعلم . فأمر المعتصم باحضارها فأحضرت القدور بين يديه ، وتقدم القاضي أحمد بن أبي دواد ، فجعل يأكل من أول كل قدر أكلا تاما . فقال له المعتصم :
هذا ظلم . قال : وكيف ذاك ؟ قال : أراك قد أمعنت في هذا اللون وستحكم لصاحبه . قال : يا أمير المؤمنين ليس بلقمة ولا باثنتين تدرك المعرفة باخلاط الطعام وعليّ أن أوفي كلا منها حقّه في الذوق ثم يقع الحكم بعد ذلك . فتبسم المعتصم وقال : شأنك إذن . وأكل من جميعها ، كما ذكر ، ثم قال : أمّا هذه فقد أحسن صاحبها إذ أظهر فلفلها وقلّل كمونها . وأما هذه فقد أجاد صاحبها إذ كثر خلّها وقلّل فلفلها ليشتهى حمضها . وأما هذه فقد أحكمها طبّاخها بتقليل مائها وكثرة ربّها . وأقبل يصفها واحدة واحدة ، حتى أتى
هامش
( 1 ) هو القصر الذي صار المعشوق بعد ذلك مقابلا له وعرف عند العامة بالكوير تصغير القوير وهو منسوب إلى هارون بن المعتصم .
( 2 ) البلدان « ص 31 ، 32 » .