فأتاه بعض من معه بشيء يجلس عليه ، فأبى وقال : لا أجلس إلا على الأرض إذ أتأني قوم يتظلمون منّي . ثم قال : ما مظلمتكم ؟ قالوا : حفرت قاطولك فخرّب بلادنا وانقطع عنا الماء « 1 » ، ففسدت مزارعنا وذهب معاشنا . فقال :
إني آمر بسدّه ليعود إليكم ماؤكم . قالوا : لا نجشّمك أيها الملك هذا فيفسد عليك اختيارك ولكن مر أن يعمل لنا مجرى من دون القاطول . فعمل لهم مجرى بناحية القورج يجري فيه الماء ، فعمرت بلادهم وحسنت أحوالهم ، وأمّا اليوم فهو بلاء على أهل بغداد فإنهم يجتهدون في سدّه واحكامه بغاية جهدهم ، وإذا زاد الماء فأفرط بثقه وتعدّى إلى دورهم وبلدهم فخرّبه » .
واختصر ابن عبد الحق كلام ياقوت ولم يعقب عليه ولا ذكر فوهة نهر القورج أين كانت فيما بين القاطول وبغداد ولا كون هذا النهر جاريا أو مندرسا أو مندفنا في زمانه بخلاف عادته مع أنّه لما ذكر وصف ياقوت للقاطول الكسروي عقّب عليه باستحالة امتداده إلى نواحي بغداد كما زعم ياقوت ، وقد نقلت ذلك التعقيب في حاشية سابقة . والعجيب في أمر هذا النهر الخيالي أنه لم يرد ذكره في تاريخ سوى من نقل من معجم ياقوت الحموي ومنهم مؤلف عجائب المخلوقات « ص 163 » . ومؤلف جريدة العجائب « ص 111 » ومؤلفات المراصد من التواريخ ولا ذكرت عليه قرية من القرى ولا ضيعة من الضياع ولا رآه جغرافي ولا بلداني ولا سائح من القدامى ولا من المتأخرين ، وكل ما ذكر من أخباره أنه انكسار عام في ضفة دجلة ، ليس له موضع معلوم ولا مجرى خاص ، ويسمّى بالعربية « البثق » قال أبو الفرج بن الجوزي في حوادث سنة 461 ؛ « وفي جمادي الأولى بلغت زيادة الماء إحدى وعشرين ذراعا وثلثين وبلغ إلى الثريّا « 2 » ، وفجّرت ( بثقا )
هامش
( 1 ) يقال هنا : كيف أضر ذلك بأهل الأسافل وأي ماء انقطع عنهم ؟
( 2 ) الثريا موضع كان في قصر ريفي عظيم للمعتضد وهو على تقديري وتحريري الموضع الذي بني فيه مخزن « السايلو » حتى شمالي محلة الجعدان والفضل من شرقي بغداد .