اتصل به أشراف خدمة القصر الجمهوري وكانوا قد التجأوا إلى حصن « وكّات » . وفي اليوم التالي لهذا اليوم خيّم الرومان في واد يبدو للناظر محوّط بسور وليس له إلا مخرج واسع بعض السعة ، فغرز الجيش فيه ، كما يدور ، أوتادا مؤلّلة الرؤوس ، وبالليلة التالية لذلك اليوم خيّم الجيش في « كرخا » « 1 » وكان حيالها باشورات من التراب أي حواجز ترابيّة ، في طفوفها الشاطئية لمنع العرب من العدوان على بلاد آشور ، ثم سار الجيش ثلاثين استادا فوصل إلى « دور » « 2 » ، وهي مدينة فلبث فيها أربعة أيام ، وفي أثناء هذه الإقامة عبرت بالليل نهر دجلة من الجيش كتيبة ثقيلة مؤلفة من رجال سبّاحين ، وهزمت العدوّ الموكل بحفظ ضفة النهر ، هذه الضربة ضربها الجيش الروميّ في أثناء زيادة الماء خاصّة ، لأن الوقت كان فائظا ، وسرعان ما عبر الجيش كله فمنهم من عبر بانحراف سباحة وعوما ومنهم من عبره على زقاق المعزى وآخرون حاولوا قيادة الكراع أي حيوانات النقل ، فكانوا يعومون هنا وهناك على إبّالات « 3 » من الصفصاف ، وآخر الأمر أنهم بلغوا الضفّة اليمنى لدجلة ، عدا الذين هلكوا في هذه العبرة « 4 » . وبعد مسيرة سريعة وصل الجيش إلى « حضرا » أي الحضر ، مدينة عتيقة قائمة في صحراء ومهجورة منذ زمن بعيد ، وكان الانبراطور « تراجان » والانبراطور « سيفير » حاولا تدميرها فهلكا مع جيوشهما . قال أميانس : وعلمنا أن طول هذا السهل الفاصل سبعون فرسخا ، فليس فيه إلا ماء ملح آسن ولا طعام إلا القيصوم والشّيح واللوف وأعشاب أخرى قليلة التشهية . وفي آخر مسيرة كان أمدها ستة أيام لم نجد
هامش
( 1 ) الظاهر لنا أنها كرخ سامرا .
( 2 ) الظاهر لنا أنها الدور الحالية شمال سامرا .
( 3 ) الابالة الحزمة من الحطب أو الحشيش . والكلمة الفرنسية تعني الحصر وذلك غير ممكن البتة .
( 4 ) قال المؤرخ الفرنسي « فيردهوفر » مترجم هذه الرحلة : ما يأتي من الأخبار يدل على أن الجيش الرومي عبر دجلة من موضع بين 25 إلى 30 فرسخا شمال بغداد ، فلعله القائم أو سامرا بإزاء بحيرة ملحة في صقع قاحل وهو قول مقارب للصواب وهي بحيرة الشارع ، الا ان ذكر الكاتب الروماني « الكرخ والدور » يؤيد ما قلناه ، فالعبور كان فوق سامرا لا عندها ولا عند قائم القاطول .