وإذا نظرت رأيت ثمّة قاربا * تمتازه بالضوء من قنديله
أو صوت مجذاف يبين بوقعه * فوق الحصى عن شجوه وعويله
* * *
ساد السكون على العوالم كلّها * وتجلبب الوادي رداء خموله
وتنبهت بين الصخور حمامة * تصغي لصوت مطارح بهديله
وأشاع شجوا في الضفاف ورقة * إيقاظ نوتيّ بها لزميله
ولقد رأيت فويق دجلة منظرا * الشعر لا يقوى على تحليله
شفقا على الماء استفاض شعاعه * ذهبا على شطآنه وحقوله
حتى إذا حكم المغيب بداله * شفق يحوط البدر حين مثوله
فتخالف الشفقان : هذا فائر * صعدا ، وهذا ذائب بنزوله
ثم استوى فضي نور عابث * بالمائجتين : مياهه ورموله
فإذا الشواطىء والمساحب والربى * والشط والوادي وكل فضوله
قمراء راقصة الأشعّة جلّلت * بخفّي سرّ رائع مجهوله
والجوّ افرط في الصفاء فلو جرى * نفس عليه لبان في مصقوله
هذي الحياة لمثلها يحنو الفتى * حرصا واشفاقا على مأموله
* * *
وإذا أسفت لمؤسف فلأنه * خصب الثرى يشجيك فرط محوله
قد كان في خفض النعيم فبالغت * كف الليالي السود في تحويله
بدت القصور الغامرات حزينة * من كل منهوب الفناء ذليله
كالجيش مهزوم الكتائب فلّه * ظفر ، ورقّ عدّوه لفلوله
( العاشق ) « 1 » المهجور قوض ركنه * كالعاشق الآسي لفقد خليله
هامش
( 1 ) العاشق - والصحيح : المعشوق - من قصور العباسيين في سامراء .