وتدفقت عاطفته ، ثم استولت عليه موجة من الغيظ صاح على أثرها بولده « انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم ، فأن مانعوكم فاضربوهم وخرّقوا ما عليهم من سواد « 1 » . »
وقد قام سليمان بن أبي جعفر نفسه بتجهيز الأمام من عنده ، فغسله وكفنه ، ولفه بحبرة كتبت عليها آيات القرآن الكريم بأجمعها ، وقد كلفت ألفين وخمس مئة دينار . وهرعت بغداد إلى تشييع الأمام عن بكرة أبيها ، فكان يوم التشييع يوما مشهودا حافلا خرج فيه الصالح والطالح والبر والفاجر . وسار الموكب الحزين يجوب الشوارع وراء النعش يتقدمه الرشيد نفسه وهو واجم حزين ، يترحم على الأمام ويظهر البراءة من دمه ، ومن خلفه البرامكة وكبار الموظفين والمسؤولين من رجال الحكم ومعهم سليمان ابن أبي جعفر حافي القدمين . وكان من خير ما قيل من الشعر في هذا الخطب الجلل الأبيات الآتية :
قد قلت للرجل المولى غسله * هلا أطعت وكنت من نصحائه
جنّبه ماءك ثم غسلّه بما * أذرت عيون المجد عند بكائه
وأزل أفاويه الحنوط ونحّها * عنه وحنطّه بطيب ثنائه
ومر الملائكة الكرام بحمله * كرما ألست تراهم بإزائه
لا توه أعناق الرجال بحمله * يكفي الذي حملوه من نعمائه
وكانت الجماهير وهي تسير إلى محلة باب التبن حيث تقع مقابر قريش ، تتسابق إلى حمل النعش وتتبرك به ، حتى أوصلته إلى حيث حفر له القبر .
وقد أنزله في مقره الأخير سليمان ابن أبي جعفر المنصور أيضا وهو مذهول اللب ، وبعد الانتهاء من مراسيم الدفن أقبلت عليه الناس تعزيه وتواسيه
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا