الحياة العلمية
ويبحث هورغرونيه بالإضافة إلى ذلك في حياة مكة العلمية فيفرد لها بابا خاصا يزيد على الخمسين صفحة من الكتاب . فيتطرق في بحثه إلى نشوء الفقه الإسلامي ، والعلوم الدينية ، وإلى العلوم الأخرى التي قد يدرسها طلبة العلم في مكة المكرمة . كما يتطرق إلى المذاهب السنية الأربعة وانتشار كل منها في مكة وغيرها ، وإلى الوظائف الدينية وما أشبه . ولا يتسع المجال هنا إلى ايراد الكثير مما يقوله في هذا الشأن لأن معظمه أشياء عامة تختص ببلاد المسلمين جميعها ، لكننا سنحاول ذكر شيء مما يختص بمكة ذاتها .
فهو يقول إن الدراسة الدينية تتم في الحرم الشريف في الأعم الأغلب ، على شكل حلقات تعقد بعد الصلوات الخمس . وتتم على المذاهب الأربعة المعروفة ، لكنه يذكر ان الأساتذة أو العلماء الذين كانوا يتولون التدريس في الحلقات كان قليل منهم من الحنابلة الذين يشابه فقههم فقه الوهابية على ما يقول . وكانت حلقات المالكية تزيد في عددها على حلقات الحنابلة بقليل لان موطن المالكية الحقيقي هو البلاد الإفريقية المسلمة عدا مصر السفلى . فان أهل السودان والعبيد التكروريين ، والأحباش المسلمين ، وجميع المستسلمين من بلاد العبيد الأخرى ، والذين يتبعون الطريقة السنوسية هم من معتنقي المذهب المالكي . اما المذهب الحنفي فقد كان هو المذهب الرسمي للأتراك ، ولذلك كانت تكثر حلقاته التدريسية في الحرم الشريف على الدوام . وقد كان الأتراك يعينون في بداية الأمر في مكة لكل مذهب قاضيا خاصا ، بالنظر لطبيعة مكة الدولية بالنسبة للمسلمين في انحاء العالم كافة . غير أنهم سرعان ما لاحظوا ان تنفيذ القانون لا بد من أن يكون بأيديهم لتأمين مصالحهم في البلد الحرام ، فصاروا يقتصرون على تعيين قاض حنفي واحد فقط برغم وجود أكثرية شافعية في مكة نفسها . وكان ( 1 ) الص 153 - 212 .