تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
ساعده في رماية النّشّاب وحسن لعبه بالرّمح ، ومرن على ركوب الخيل . ومنهم من يصير رتبة فقيه عارف ، وأديب شاعر ، وحاسب ماهر . هذا ، ولهم أزمّة من الخدّام ، وأكابر من رؤوس النّوب : يفحصون عن حال الواحد منهم الفحص الشّافي ، ويؤاخذونه أشدّ المؤاخذة ، ويناقشونه على حركاته وسكناته . فإن عثر أحد من مؤدّبيه الذي يعلّمه القرآن ، أو الطّواشي الذي هو مسلّم إليه ، أو رأس النّوبة الذي هو حاكم عليه ، على أنّه اقترف ذنبا أو أخلّ برسم ، أو ترك أدبا من آداب الدّين أو الدّنيا ، قابله على ذلك بعقوبة مؤلمة شديدة بقدر جرمه . وبلغ من تأديبهم أنّ مقدّم المماليك كان إذا أتاه بعض مقدّمي الطّباق في السّحر يشاور على مملوك أنّه يغتسل من جنابة ، فيبعث من يكشف عن سبب جنابته : إن كان من احتلام ، فينظر في سراويله هل فيه جنابة أم لا ، فإن لم يجد به جنابة جاءه الموت من كلّ مكان . فلذلك كانوا سادة يدبّرون الممالك ، وقادة يجاهدون في سبيل اللّه ، وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل ، ويردعون من جار أو تعدّى . وكانت لهم الإدرارات الكثيرة من اللّحوم والأطعمة والحلاوات والفواكه والكسوات الفاخرة ، والمعاليم من الذّهب والفضّة بحيث تتّسع أحوال غلمانهم ، ويفيض عطاؤهم على من قصدهم . ثم لمّا كانت الأيّام الظّاهريّة برقوق ، راعى الحال في ذلك بعض الشئ إلى أن زالت دولته في سنة إحدى وتسعين وسبع مائة . فلمّا عاد إلى المملكة ، رخّص للمماليك في سكنى القاهرة وفي التّزويج . فنزلوا من الطّباق من القلعة ، ونكحوا نساء أهل المدينة ، وأخلدوا إلى البطالة ، ونسوا تلك العوائد . ثم تلاشت الأحوال في الأيّام النّاصريّة فرج بن برقوق ، وانقطعت الرّواتب من اللّحوم وغيرها ، حتى عن مماليك الطّباق مع قلّة عددهم ، ورتّب لكلّ واحد منهم في اليوم مبلغ عشرة دراهم من الفلوس . فصار غذاؤهم في الغالب الفول المصلوق عجزا عن شراء اللّحم وغيره « 1 » .
هامش
( 1 ) يمثّل هذا العرض الذي يقدّمه المقريزي نظرة نقديّة ثاقبة للنّظام المملوكي والأسباب التي أدّت إلى تدهور السّلطنة المملوكية ، بسبب تساهل سلاطين المماليك المتأخّرين في الأخذ بالنّظام الصّارم الدّقيق الذي وضعه السّلاطين المؤسّسون .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 693 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد