تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
وكانت الملوك تعنى بها أتمّ عناية «
( a
» ، حتى إنّ الملك المنصور قلاوون كان يخرج في غالب أوقاته إلى الرّحبة عند استحقاق حضور الطّعام للمماليك ، ويأمر بعرضه عليه ، ويتفقّد لحمهم ، ويختبر طعامهم في جودته ورداءته . فمتى رأى فيه عيبا اشتدّ على المشرف والأستادّار ، ونهرهما ، وحلّ بهما منه أمر «
( b
» مكروه . وكان يقول : كلّ الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال وعقار ، وأنا عمّرت أسوارا ، وعملت حصونا مانعة لي ولأولادي وللمسلمين وهم المماليك . وكانت المماليك أبدا تقيم بهذه الطّباق لا تبرح فيها ، فلمّا تسلطن الملك الأشرف خليل بن قلاوون ، سمح للمماليك أن ينزلوا من القلعة في النّهار ولا يبيتوا إلّا بها ، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها . ثم إنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون سمح لهم بالنّزول إلى الحمّام يوما في الأسبوع ، فكانوا ينزلون بالنّوبة مع الخدّام ، ثم يعودون آخر نهارهم . ولم يزل هذا حالهم إلى أن انقرضت أيّام بني قلاوون . وكانت للمماليك بهذه الطّباق عادات جميلة : أوّلها أنّه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السّلطان ، ونزّله في طبقة جنسه ، وسلّمه لطواشي برسم الكتابة . فأوّل ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم . وكانت كلّ طائفة لها فقيه يحضر إليها كلّ يوم ، ويأخذ في تعليمها كتاب اللّه تعالى ومعرفة الخطّ ، والتمرّن بآداب الشّريعة ، وملازمة الصّلوات والأذكار . وكان الرّسم ألّا تجلب التّجّار إلّا المماليك الصّغار . فإذا شبّ الواحد من المماليك علّمه الفقيه شيئا من الفقه ، وأقرأه فيه مقدّمة . فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ في تعليمه أنواع الحرب من رمي السّهام ، ولعب الرّمح ، ونحو ذلك . فيتسلّم كلّ طائفة معلّم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه . وإذا ركبوا إلى لعب الرّمح ، أو رمي النّشّاب ، لا يجسر جنديّ ولا أمير أن يحدّثهم أو يدنو منهم . فينقل إذا إلى الخدمة ، ويتنقّل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء ، فلا يبلغ هذه الرّتبة إلّا وقد تهذّبت أخلاقه ، وكثرت / آدابه ، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه ، واشتدّ
هامش
( aبولاق : غاية العناية .( bبولاق : أي . المماليك اثنا عشر طبقة ، كلّ طبقة منها قدر حارة تشتمل على عدّة مساكن ، حتى إنّه يمكن السكنى في كلّ طبقة لألف مملوك . ( زبدة كشف الممالك 27 ) . وانظر كذلكLevanoni A . , El 2 art . Tabaka X , p . 7. وكانت الطّباق السّلطانية تقع في الجانب الشمالي الشرقي للقلعة بالقرب من مسجد سليمان باشا ( سيدي سارية ) في الحوش الذي يطلق عليه الآن « محكى القلعة » ،Casanova , P . , op . cit . , p . 649( الترجمة العربية 137 - 138 ) .