تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
يقيم عليه حافظا - وهو الذي يسمّى التّرسيم - أو يأمر غريمه بملازمته . ومن قال : له أن يتّخذ حبسا ، احتجّ بفعل عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - . ومضت السّنّة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ - رضي اللّه عنهم - أنّه لا يحبس على الدّيون ، ولكن يتلازم الخصمان . وأوّل من حبس على الدّين شريح القاضي . وأمّا الحبس الذي هو الآن ، فإنّه لا يجوز عند أحد من المسلمين . وذلك أنّه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم ، غير متمكّنين من الوضوء والصّلاة ، وقد يرى بعضهم عورة بعض ، ويؤذيهم الحرّ في الصّيف والبرد في الشّتاء ، وربّما يحبس أحدهم السّنة وأكثر ولا حدة له ، وأنّ أصل حبسه على ضمان . وأمّا سجون الولاة فلا يوصف ما يحلّ بأهلها من البلاء ، واشتهر أمرهم أنّهم يخرجون مع الأعوان في الحديد حتى يشحذوا ، وهم يصرخون في الطّرقات : الجوع . فما تصدّق به عليهم لا ينالهم منه إلّا ما يدخل بطونهم ، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات النّاس يأخذه السّجّان وأعوان الوالي ، ومن لم يرضهم بالغوا في عقوبته . وهم مع ذلك يستعملون في الحفر وفي العمائر ، ونحو ذلك من الأعمال الشّاقّة ، والأعوان تستحثّهم . فإذا انقضى عملهم ردّوا إلى السّجن في حديدهم من غير أن يطعموا شيئا إلى غير ذلك ممّا لا يسع حكايته هنا . وقد قيل إنّ أوّل من وضع السّجن والحرس معاوية . وقد كان في مدينة مصر وفي القاهرة عدّة سجون ، وهي : حبس المعونة بمصر ، وحبس الصّيّار بمصر ، وخزانة البنود بالقاهرة ، وحبس المعونة بالقاهرة ، وخزانة شمائل ، وحبس الدّيلم ، وحبس الرّحبة والجبّ بقلعة الجبل .

حبس المعونة بمصر

ويقال أيضا « دار المعونة » . كانت أوّلا بالشّرطة ، وكانت قبلي جامع عمرو بن العاص . وأصله خطّة قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري - رضي اللّه عنهم . اختطّها في أوّل الإسلام - وقد كان موضعها فضاء - وأوصى فقال : إن كنت بنيت بمصر دارا ، واستعنت فيها بمعونة المسلمين ، فهي للمسلمين ينزلها ولاتهم . « 1 »
هامش
( 1 ) هنا على هامش ( ص ) : « وأحدث الأمير زين الدّين يحيى الأشقر الأستادّار سجنا بخطّ بين السّورين وسمّاه ب « القاعة » من أخبث السّجون وأضيقها ، عليه من اللّه ما يستحقه » .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 597 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد