تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وعرف هذا السّوق في زمننا بالحريريّين الشّراربيين ، وعرف بعضه بسوق الزّجاجيين ، وكان يسكن فيه أيضا الأساكفة . فلمّا أنشأ الأمير يونس الدّوادار القيساريّة على بئر زويلة بخط البندقانيين ، في أعوام بضع وثمانين وسبع مائة ، نقل الأساكفة من هذا الخطّ ، ونقل منه أيضا بيّاعي أخفاف النّساء إلى قيساريّته وحوانيته المذكورة « 1 » .

سوق العنبريّين

هذا السّوق فيما بين سوق الحريريين الشّراربيّين وبين قيسارية العصفر ، وهو تجاه الخرّاطين . كان في الدّولة الفاطمية مكانه سجنا لأرباب الجرائم يعرف بحبس المعونة ، وكان شنيع المنظر ضيّقا ، لا يزال من يجتاز عليه يجد منه رائحة منكرة . فلمّا كان في الدّولة التّركيّة ، وصار قلاوون من جملة الأمراء الظّاهريّة بيبرس ، صار يمرّ من داره إلى قلعة الجبل على حبس المعونة هذا ، فيشمّ منه رائحة رديئة ، ويسمع منه صراخ المسجونين وشكواهم الجوع والعري والقمل ، فجعل على نفسه إن اللّه تعالى جعل له من الأمر شيئا أن يبني هذا الحبس مكانا حسنا . فلمّا صار إليه ملك ديار مصر والشّام ، هدم حبس المعونة ، وبناه سوقا أسكنه بيّاعي العنبر . وكان للعنبر إذ ذاك بديار مصر نفاق ، وللنّاس فيه رغبة زائدة ، لا يكاد يوجد بأرض مصر امرأة وإن سفلت / إلّا ولها قلادة من عنبر ، وكان يتّخذ منه المخادّ والكلل والسّتور وغيرها . وتجّار العنبر يعدّون من بياض النّاس ، ولهم أموال جزيلة ، وفيهم رؤساء وأجلّاء . فلمّا صار الملك إلى الملك النّاصر محمد بن قلاوون ، جعل هذا السّوق وما فوقه من المساكن وقفا على الجامع الذي أنشأه بظاهر مصر جوار موردة الحلفاء ، المعروف بالجامع الجديد النّاصري ، وهو جار في أوقافه إلى يومنا هذا « 2 » إلّا أنّ العنبر من بعد سنة سبعين وسبع مائة كثر فيه الغشّ حتى صار اسما لا معنى له ، وقلّت رغبة النّاس في استعماله ، فتلاشى أمر هذا السّوق بالنسبة لما كان . ثم لمّا حدثت المحن بعد سنة ستّ وثمان مائة ، قلّ ترفّه أهل مصر عن استعمال الكثير من العنبر ، فطرق هذا السّوق ما طرق غيره من أسواق البلد ، وبقيت فيه بقيّة يسيرة إلى أن خلع
هامش
( 1 ) المقريزي : مسودة الخطط 34 و . ( 2 ) المقريزي : مسودة الخطط 428 ؛ وفيما يلي 599 .