وأمّا دمياط الآن فإنّها حدثت بعد تخريب مدينة دمياط ، وعمل هناك أخصاص ، وما برحت تزداد إلى أن صارت بلدة كبيرة ذات أسواق وحمّامات وجوامع ومدارس ومساجد ، ودورها تشرف على النّيل الأعظم ، ومن ورائها البساتين ، وهي أحسن بلاد اللّه منظرا . وقد أخبرني الأمير الوزير المشير الأستادّار يلبغا السّالمي - رحمه اللّه - أنّه لم ير في البلاد التي سلكها من سمرقند إلى مصر أحسن من دمياط هذه ، فظننت أنّه يغلو في مدحها إلى أن شاهدتها ، فإذا هي أحسن بلد وأنزهه ، وفيها أقول :
[ الطويل ]
سقى عهد دمياط وحيّاه من عهد * فقد زادني ذكراه وجدا على وجد
ولا زالت الأنواء تسقي سحابها * ديارا حكت من حسنها جنّة الخلد
فيا حسن هاتيك الدّيار وطيبها * فكم قد حوت حسنا يجلّ عن العدّ
فاللّه أنهار تحفّ بروضها * لكالمرهف المصقول أو صفحة الخدّ
وبشنينها الرّيّان يحكي متيّما * تبدّل من وصل الأحبّة بالصّدّ
فقام على رجليه في الدّمع غارقا * يراعي نجوم الليل من وحشة الفقد
وظلّ على الأقدام تحسب أنّه * لطول انتظار من حبيب على وعد
ولا سيّما تلك النّواعير إنّها * تجدّد حزن الواله المدنف الفرد
أطارحها شجوي وصارت كأنّما * تطارح شكواها بمثل الذي أبدي
فقد خلتها الأفلاك فيها نجومها * تدور بمحض النّفع منها وبالسّعد
وفي البرك الغرّاء يا حسن نوفر * حلا وغدا بالزّهو يسطو على الورد
سماء من البلّور فيها كواكب * عجيبة صبغ اللّون محكمة النّضد
وفي شاطئ النّيل المقدّس نزهة * تعيد شباب الشّيب في عيشه الرّغد
وتنشي رياحا تطرد الهمّ والأسى * وتنشي ليالي الوصل من طيبها عندي
وفي مرج البحرين جمّ عجائب * تلوح وتبدو من قريب ومن بعد
كأن التقاء النّيل بالبحر إذ غدا * مليكان سارا في الجحافل من جند
وقد نزلا للحرب واحتدم اللّقا * ولا طعن إلّا بالمثقّفة الملد
فظلّا كما باتا وما برحا كما * هما من جليل الخطب في أعظم الجهد
فكم قد مضى لي من أفانين لذّة * بشاطئها العذب الشّهيّ لذوي الورد
وكم قد نعمنا في البساتين برهة * بعيش هنيء في أمان وفي سعد
وفي البرزخ المأنوس كم لي خلوة * وعند شطا عن أيمن العلم الفرد