تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
وعرفت له عدّة كرامات ، وكان سلوكه على طريق السّلف من التّمسّك بالكتاب والسّنّة ، والنّفور عن الفتنة ، وترك الدّعاوى واطّراحها ، وستر حاله ، والتّحفّظ في أقواله وأفعاله . وكان لا يرافق أحدا في اللّيل ، ولا يعلم أحد يوم صومه من يوم فطره ، ويجعل دائما قول « إن شاء اللّه تعالى » مكان قول غيره « واللّه » . ثم إنّ الشّيخ عبد العزيز الدّميري أشار عليه بالنّكاح ، وقال له : النّكاح من السّنّة ؛ فتزوّج في آخر عمره بامرأتين لم يدخل على واحدة منهما نهارا ألبتّة ، ولا أكل عندهما ولا شرب قطّ . وكان ليله ظرفا للعبادة ، لكنّه يأتي إليهما أحيانا ، وينقطع أحيانا لاستغراق زمنه كلّه في القيام بوظائف العبادات وإيثار الخلوة . وكان خواصّ خدمه لا يعلمون بصومه من فطره ، وإنّما يحمل إليه ما يأكل ويوضع عنده بالخلوة ، فلا يرى قطّ آكلا . وكان يحبّ الفقر ، ويؤثر حال المسكنة ، ويتطارح على الخمول والجفا ، ويتواضع مع الفقراء ، ويتعاظم على العظماء والأغنياء . وكان يقرأ في المصحف ، ويطالع الكتب ، ولم يره أحد يخطّ بيده شيئا . وكانت تلاوته للقرآن بخشوع وتدبّر . ولم يعمل له سجّادة قطّ ، ولا أخذ على أحد عهدا ، ولا لبس طاقية ، ولا قال أنا شيخ ولا أنا فقير ، ومتى قال في كلامه « أنا » ، تفطّن لما وقع منه ، واستعاذ باللّه من قول أنا ، ولا حضر قطّ سماعا ، ولا أنكر على من يحضره . وكان سلوكه صلاحا من غير إصلاح ، ويبالغ في التّرفّع على أبناء الدّنيا ، ويترامى على الفقراء ، ويقدّم لهم الأكل ، ولم يقدّم لغني أكلا ألبتّة . وإذا اجتمع عنده الناس ، قدّم الفقير على الغنيّ . وإذا مضى الفقير من عنده ، سار معه وشيّعه عدّة خطوات وهو حاف بغير نعل ، ووقف على قدميه ينظره حتى يتوارى عنه . ومن كان من الفقراء يشار إليه بمشيخة جلس بين يديه بأدب مع إمامته . وتقدّمه في الطّريق ويقول : ما أقول لأحد افعل أو لا تفعل ، من أراد السّلوك يكفيه أن ينظر إلى أفعاله ، فإنّ من لم يتسلّك بنظره لا يتسلّك بسمعه . وقال له شخص من خواصّه : يا سيّدي ، ادع اللّه لنا أن يفتح علينا فنحن فقراء ؛ فقال : إن أردتم فتح اللّه ، فلا تبقوا في البيت شيئا ثم اطلبوا فتح اللّه بعد ذلك ، فقد جاء : « لا تسأل اللّه ولك خاتم من حديد » . ومن كلامه : الفقير بحال البكر ، إذا سأل زالت بكارته . وسأله بعض خواصّه أن يدعو له بسعة ، وشكا له الضّيق ، فقال : أنا ما أدعو لك بسعة ، بل أطلب لك الأفضل والأكمل .