تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
ولمّا تسلّم الأمراء دمياط ، وردت البشرى إلى القاهرة ، فضربت البشائر وزيّنت القاهرة ومصر ، فقدمت العساكر من دمياط يوم الخميس تاسع صفر « 1 » . فلمّا كان في سلطنة الأشرف موسى ابن الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل والملك المعزّ عزّ الدين التّركماني ، وكثر الاختلاف بمصر ، واستولى الملك النّاصر يوسف بن العزيز على دمشق ، اتّفق أرباب الدّولة بمصر - وهم المماليك البحريّة - على تخريب مدينة دمياط ، خوفا من مسير الفرنج إليها مرّة أخرى . فسيّروا إليها الحجّارين والفعلة ، فوقع الهدم في أسوارها يوم الاثنين الثامن عشر من شعبان سنة ثمان وأربعين وستّ مائة ، حتى خربت كلّها ، ومحيت آثارها ، ولم يبق منها سوى الجامع ، وصار في قبليها أخصاص على النّيل سكنها الناس الضّعفاء ، وسمّوها المنشيّة « 2 » . وهذا السّور هو الذي بناه أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه كما تقدّم ذكره « 3 » . فلمّا استبدّ الملك الظّاهر بيبرس البندقداري / الصّالحي بمملكة مصر بعد قتل الملك المظفّر قطز ، أخرج من مصر عدّة من الحجّارين في سنة تسع وخمسين وستّ مائة لردم فمّ بحر دمياط ؛ فمضوا وقطعوا كثيرا من القرابيص « 4 » وألقوها في بحر النّيل الذي ينصب من شمال دمياط في البحر الملح حتى ضاق وتعذّر دخول المراكب منه إلى دمياط « 5 » وهو إلى اليوم على ذلك ، لا تقدر مراكب البحر الكبار أن تدخل منه ، وإنّما ينقل ما فيها من البضائع في مراكب نيلية تعرف عند أهل دمياط بالجروم ( واحدها جرم ) وتصير مراكب بحر الملح واقفة بآخر البحر ، قريبا من ملتقى البحرين . ويزعم أهل دمياط الآن أنّ سبب امتناع دخول مراكب البحر جبل في فمّ البحر ، أو رمل يتربّى هناك . وهذا قول باطل حملهم عليه ما يجدونه من تلاف المراكب إذا هجمت على هذا المكان ، وجهلهم بأحوال الموجود ، وما مرّ من الوقائع . وإلى يومنا هذا يخاف على المراكب عند ورودها فمّ البحر ، وكثيرا ما تتلف فيه . وقد سرت إليه حتى شاهدته ، ورأيته من أعجب ما يراه الإنسان .
هامش
316 ؛ ابن شاكر : فوات الوفيات 1 : 232 ؛ أبي المحاسن : المنهل الصافي 3 : 442 . ( 1 ) المقريزي : السلوك 1 : 366 . ( 2 ) نفسه 1 : 372 ؛ أبو المحاسن : النجوم 7 : 20 ، 23 . ( 3 ) فيما تقدم 583 . ( 4 ) القرباص ج . القرابيص هي الحجارةDozy , R . ) . ( Suppl . Dict . Ar . II , p . 332( 5 ) المقريزي : السلوك 1 : 446 .