تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
هناك ترى عين البصيرة ما ترى * من الفضل والأفضال والخير والمجد
فيا ربّ هيّئ لي بفضلك عودة * ومنّ بها في غير بلوى ولا جهد
وبدمياط - حيث كانت المدينة التي هدمت - جامع من أجلّ مساجد المسلمين ، تسمّيه العامّة مسجد فتح ، وهو المسجد الذي أسّسه المسلمون عند فتح دمياط أوّل ما فتح اللّه أرض مصر على يد عمرو بن العاص ، وعلى بابه مكتوب بالقلم الكوفي « إنّه عمّر بعد سنة خمس مائة من الهجرة » ؛ وفيه عدّة من عمد الرّخام ، منها ما يعزّ وجود مثله . وإنّما عرف / بجامع فتح ، لنزول شخص يقال له فاتح به ، فقالت العامّة جامع فتح . وإنّما هو فاتح بن عثمان الأسمر التّكروري قدم من مرّاكش إلى دمياط على قدم التّجريد ، وسقى بها الماء في الأسواق احتسابا من غير أن يتناول من أحد شيئا ، ونزل في ظاهر الثّغر ، ولزم الصّلاة مع الجماعة . وترك الناس جميعا ، ثم أقام بناحية تونة من بحيرة تنّيس وهي خراب نحو سبع سنين ، ورمّ مسجدها . ثم انتقل من تونة إلى جامع دمياط ، وأقام في وكر بأسفل المنارة من غير أن يخالط أحدا ، إلّا إذا أقيمت الصّلاة خرج وصلّى ، فإذا سلّم الإمام عاد إلى وكره ، فإن عارضه أحد بحديث كلّمه وهو قائم بعد انصرافه من الصّلاة ؛ وكانت حاله أبدا اتّصالا في انفصال ، وقربا في ابتعاد ، وأنسا في نفار . وحجّ ، فكان يفارق أصحابه عند الرّحيل ، فلا يرونه إلّا وقت النّزول . ويكون سيره منفردا عنهم ، لا يكلّم أحدا ، إلى أن عاد إلى دمياط فأخذ في ترميم الجامع وتنظيفه بنفسه ، حتى نقّى ما كان فيه من الوطواط بسقوفه ، وساق الماء إلى صهاريجه ، وبلّط صحنه ، وسبك سطحه بالجبس ، وأقام فيه . وكان قبل ذلك من حين خربت دمياط لا يفتح إلّا في يوم الجمعة فقط ، فرتّب فيه إماما راتبا يصلّي الخمس . وسكن في بيت الخطابة ، وواظب على إقامة الأوراد به ، وجعل فيه قرّاء يتلون القرآن بكرة وأصيلا ، وقرّر فيه رجلا يقرأ ميعادا يذكّر الناس ويعلّمهم . وكان يقول : لو علمت بدمياط مكانا أفضل من الجامع لأقمت به ، ولو علمت في الأرض بلدا يكون فيه الفقير أخمل من دمياط لرحلت إليه ، وأقمت به . وكان إذا ورد عليه أحد من الفقراء ولا يجد ما يطعمه ، باع من لباسه ما يضيّفه به . وكان يبيت ويصبح وليس له معلوم ، ولا ما يقع عليه العين ، أو تسمعه الأذن . وكان يؤثر في السّر الفقراء والأرامل ، ولا يسأل أحدا شيئا ، ولا يقبل غالبا ، وإذا قبل ما يفتح اللّه عليه آثر به . وكان يبذل جهده في كتم حاله ، واللّه تعالى يظهر خيره وبركته من غير قصد منه لذلك .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 609 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد