تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيض ، وأمّا الثالث فينقص «
( a
» عنها نحو الربع ، لكنّه مبني بحجارة الصّوّان الأحمر المنقّط الشديد القوّة والصّلابة ، ولا يكاد يؤثّر فيه الحديد إلّا في الزّمان الطّويل ، وتجده صغيرا بالقياس إلى ذينك ، فإذا أتيت إليه وأفردته بالنّظر هالك مرآه ، وحيّر النّظر «
( b
» في تأمّله . وقد سلك في بناء الأهرام طريق عجيب من الشّكل والإتقان ، ولذلك صبرت على ممرّ الأيام لا ، بل على ممرّها صبر الزّمان . فإنّك إذا تأمّلتها وجدت الأذهان الشّريفة قد استهلكت فيها والعقول الصّافية قد أفرغت عليها مجهودها ، والأنفس النّيّرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها ، والملكات الهندسيّة قد أخرجتها إلى الفعل مثالا في غاية إمكانها ، حتى إنّها تكاد تحدّث عن قومها «
( c
» ، وتخبر عن سيرتهم ، وتنطق عن علومهم وأذهانهم ، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم . وذلك أنّ وضعها على شكل مخروط ، ويبتدئ من قاعدة مربّعة وينتهي إلى نقطة . ومن خواصّ الشّكل المخروط أنّ مركز ثقله في وسطه ، يتساند على نفسه ، ويتواقع على ذاته ، ويتحامل بعضه على بعض ، وليس له جهة أخرى يتساقط عليها . ومن عجيب وضعه أنّه شكل مربّع قد قوبل بزواياه مهاب الرّياح الأربع ، فإنّ الرّيح تنكسر سورتها عند مسامتتها الزّاوية ، وليست كذلك عندما تلقى السّطح . وذكر المسّاح أنّ قاعدة كلّ من الهرمين العظيمين أربع مائة ذراع بالذّراع السّوداء « 1 » ، وينقطع المخروط في أعلاه عند سطح مساحته عشرة أذرع في مثلها . وذكر أنّ بعض الرّماة رمى سهما في قطر أحدهما وفي سمكه ، فسقط السّهم دون نصف المسافة . وذكر أنّ ذرع سطحها أحد عشر ذراعا بذراع اليد . وفي أحد هذين الهرمين مدخل يلجه الناس ، يفضي بهم إلى مسالك ضيّقة وأسراب متنافذة وآبار ومهالك ، وغير ذلك على ما يحكيه من يلجه . وأنّ أناسا كثيرين لهم غرام به وتحيّل فيه ، فيتوغّلون في أعماقه ، ولا بد أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه .
هامش
( aبولاق : فصغير .( bالأصل : وحسن الناظر .( cبولاق : عن قوة قومها . ( 1 ) عن الذراع السوداء انظر فيما تقدم 156 - 157 .