وثانيا : أنّك غير مدرك عجزك وحاجتك وفقرك ، غير واع أنّ بدنك - بكلّ ذرّة منه - قائم بحفظ عمّاله من الملائكة له .
وثالثا : أنّك لا تعلم بالنّعم غير المتناهية التي منّ بها على كلّ جزء من أجزاء بدنك في كلّ آن من الآناء ، تلك النّعم التي لا تعدّ بالبنان ، ولا تحصر بالبيان ، فكيف - والحال هذه - تصرف نعمته في معصيته ؟ !
ورابعا : كيف تغفل عن عقابه الصارم ؟ ألا تعلم أنّ ما بين الموت والقيامة ألف ألم وحزن ، أيسرها نزع الرّوح ومرارة الاحتضار ، فلم تغفل عن شدائد القيامة ؟ الغوث من يوم يذعر فيه المقرّبون ويضطربون ؛ ولم لا يكون كذلك ، إذا كانت أرضه وهواؤه نارا متأجّجة ، وإذا أحاطت جهنّم فيه بالخلائق ، وانهمك فيه الملائكة الغلاظ الشداد بغلّ المجرمين وتقييدهم . يوم يفزع فيه الصّالحون ويضطربون ، ويعذّب فيه الطالحون ويؤذون . الشمس تلتهب فوق الرؤوس ، والأرض أحمى من فرن الحدّاد . فخطر الحساب من جانب ، وفزع الصراط من جانب ، والأمر لم يصل بعد إلى جهنّم .
أفعن نارها وسلاسلها وأغلالها أتحدّث ، أم عن أفاعيها وعقاربها ؟
والخلاصة ، أنّ هذا بأجمعه ما هو إلّا مختصر ، وهذه الفقرات التي ذكرناها لا تمثّل إلّا واحدا من ألف . وجميع وصاياي لك - أنا البائس - تتلخّص في الاهتمام بترك المعصية . فإن أنت قمت بهذه الخدمة ، فإنّها سترفعك في نهاية المطاف إلى مقام رفيع . وعليك بطبيعة الحال أن لا تقصّر في اجتناب المعصية ؛ فإن بدرت منك معصية - لا سمح
تذكرة المتقين في آداب السلوك وتزكية النفس — صفحة 224
مساهمون: الشيخ محمد البهاري الهمداني
ص٢٢٤