الأرض المقدّسة في جيش كثير العدد ، فأشعل في جميع البلاد النّار وأغرقها بالدماء ، ودخل مكّة وهدم كثيرا من القبور ثمّ صار إلى جدّه لمحاصرتها والتجأ الشريف في الحال إلى سفينة كانت راسية في البحر الأحمر ، ووافق السكان على دفع مبلغ كبير من المال ، وانصرف الوهابيون إلى بلاد عمان والتحق بهم فور وصولهم أخو سلطان مسقط داخلا في دينهم ، واتبعه جميع سكان الأرياف غير متأخرين ، وهكذا لم يبق للسلطان إلّا مسقط وما حولها ، ولما رأى سعود أنّها لا تنجو من الوقوع في أيديهم عاجلا لم تكن له حاجة إلى أن يستولي عليها بسرعة بل تريث وتربّص .
وقد رهب سكان البصرة وسكان الحلّة الوهابيّين وهم يحيون في قلق دائم ، أمّا سكان النجف « 1 » وكربلاء « 1 » فقد بعثوا بكل غال وثمين عندهم إلى الكاظمين وهم يدخنون بسبلهم بسكون منتظرين أحوالا أكثر مناسبة لهم ممّا هم فيه . وإذ كان الوهابيون يوقعون تدميرهم غالبا على مسافة جدّ قريبة من البصرة فليس بعيدا استيلاؤهم عليها عمّا قريب ، فقد أخضعوا في الزمن الأقرب قبيلة « عتوب » المشهورة بملاحتها البارعة ، وهم اليوم قد بدأوا بتأسيس أسطول ، فإذا سيطروا على البحر فسيرون بعيد ذلك في البصرة ويأخذون بعدها بغداد ، ولا أشك في أنّهم سيصلون بعد سنوات إلى أبواب القسطنطينية .
إنّ نهب الوهابيين ما في مكة وما في كربلاء قد أثار سخط سلطان الترك وشاه الفرس وحملهم على التضافر على إبادة هذه القبيلة المتوحشة الّتي بعثتها جراءتها على الاقتداء بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم فدعت هؤلاء الملوك إلى
هامش
( 1 ) قال ياسين العمري في حوادث سنة 1223 ه : « وفيها قدم من الوهابي ركب على الجمال أكثر من ألف نفس ونزلوا على مشهد الإمام الحسين - رض - وأحاطوا بالسور ونصبوا سلالم ليلا وعزموا على الطلوع على السور فأحس بهم أهل المشهد وقاتلوهم من على السور وقتلوا منهم اثني عشر رجلا وقيل أكثر وهزموهم بإذن اللّه عن المشهد وبعثوا يخبرون والي بغداد سليمان باشا فبعث العساكر مع كتخداه فيض اللّه أغا ، ونادى في بغداد النفير النفير إلى قتال عرب الوهابي ، فخرج من بغداد كل من له فرس وتبع العسكر فلما تقارب الجمعان هرب عرب الوهابي وتبعوهم حتّى هزموهم وأبعدوهم عن العراق » وأراح اللّه الخلق من أهل النفاق » ( ص 82 ) .