إلى هدم القبور . والقبر النبوي وترب الأئمّة والأولياء والأصحاب ، وقد حصل بهذا التلصّص وهذه الغارات على أموال عظيمة ، ولم يمت إلّا وله سلطان عظيم جدا . وخلفه ابنه محمّد في الأمر ، ولكنّه كان أعمى فلم يخرج قط وتلقب بلقب « الإمام » والحبر الأعظم ، وكان رجل اسمه عبد العزيز عونا له وهو ابن متبنّى لجدّه وكان هذا رجلا عملاقا ذا صوت رهيب ، ومع بلوغه ثمانين سنة من العمر كانت له قوّة الشبيبة ، وقد أكّد أنّه لن يموت حتّى يدخل جميع العرب في دين الوهابيين ، وكان يذهب في كل أسبوع مرتين ليتلقى الأوامر من محمّد بن عبد الوهاب ، ويرسل جيوشا كثيفة إلى جميع الأنحاء ، فأصبحت هذه الجيوش راعية رهيبة حتّى ليقال إنّ جزيرة العرب كلها قد خضعت الآن لها . والوهابيّون يجلّون رؤساءهم إجلالا حملهم على أنّهم قبل السير إلى القتال يستجيزونهم أجوزة إلى الجنّة ، ويعلقونها في أعناقهم ، ثمّ يزحفون إلى العدو بأكبر ثقة واعتماد .
ومع سطوتهم وأموالهم الجمّة الوفيرة الّتي حصلوا عليها تظهر عليهم ساذجيّة الأخلاق المفرطة ، فعدّة تمرات تكفي في تغذّيهم ورداء واسع من قماش غليظ يكسوهم سنتين أو ثلاثا ، ويكون فوق ذلك فراشا لهم ، وخيلهم نجدية الأصل ، ولا يخرجون منها إلى غير بلادهم أبدا ، وينفقون جميع أموالهم المحصّلة على إعداد جيش يقدرهم على تنفيذ خططهم الّتي هي أجرأ الخطط ، وقد استولوا على جميع جزيرة العرب ما عدا مسقط ومكة والمدينة « 1 » ، وقد تفادوا زمنا طويلا من الهجوم على هاتين المدينتين المقدّستين احتراما لبيت اللّه ولصلتهم الحسنة بشريف مكة ، وكان قد انتقل إلى دينهم ، ومن أجل ما كانوا يأخذونه من الحجّاج من ضريبة . ولكن عبد العزيز أرسل أخيرا بسبب تحريض الأتراك له ، جيشا مع ابنه سعود إلى
هامش
( 1 ) قال الشيخ ياسين العمري في كتابه غرائب الأثر - ص 70 - في حوادث سنة 1220 ه : « وفيها حاصر المدينة المنوّرة ابن سعود الوهابي شهرين فأطاعوه من شدّة الجوع فدخلها وهدم القباب الّتي على قبور الصحابة الكرام ولم يدع إلّا قبّة الحجرة النبوية وترك من علمائه اثنين في المدينة يرشدان النّاس إلى الضلال - قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون - ولما قدم الحاج إلى مكة ونزلوا على المدينة أغلقوا دونهم الباب فحاصرهم أمير الحاج عبد اللّه باشا أيّاما ثمّ خرج ضابط الحرم إلى عبد اللّه باشا واعتذر من بغي الوهابي وشدّة الجوع » .