سنة ، وهذه الإقامة الطويلة في هذه البلاد لعلّها أفقدته ذكرى لطف الإنكليز وظرافتهم « 1 » ، فإنّه عاملني برياء ومراوغة مفضوحة ، مثال ذلك أنّي رجوت منه أن يجد لي « شوبور » أي دليلا يدلني في رحلتي بأجر معلوم في هذه البلاد ، وهو كما علمته إذ ذاك « مائة وخمسون قرشا » أو مائتا قرش ، غير أنّ المستر توك أكّد لي أنّه ما من دليل موثوق به يرضى القيام بالدلالة بأقل من أجرة مقدارها ألف وخمسمائة قرش وذلك أنّ نفقات السفر الضرورية ترتفع عدّتها إلى ألف قرش وإنّ هذه الزيادة وهي خمسمائة قرش ليست إلّا مكافأة عادلة لتعبه ومشقته ، فهذه النصائح الصادرة عن طمعه بما فيه الكفاية من الوضوح بعثتني على أن أتوجه إلى وزراء الترك ليجدوا لي دليلا من العامّة ، وهو الّذي فعلوه لي وسنرى بعد ذلك هل لي أن أهنئ نفسي بذلك ؟
وقد تهيأت لي فرص متواترة لأن اتصل بالمستر « بوزاني » ترجمان السفارة الإنكليزية وهو يوناني ، ويربح مالا كثيرا من وظيفته فكل الإنكليز الّذين يسيحون في تركية هم تحت إدارته على الإطلاق « 2 » فجهلهم لغة البلاد يجبرهم على أن يستعينوا في جميع شؤونهم إمّا به وإمّا بوكلائه فتسلخ جلودهم أحياء « 3 » ، وما أدري إلام أعزو سيماء بوزاني الحمقاء الّتي كان يلقاني بها أإلى الغم الّذي أصابه من خيبة آماله الّتي أملها منّي أم إلى سيرته الّتي هي النتيجة الطبيعية المجردة للحقد الّذي يحقده اليونانيون على جميع المسلمين ؟ فقد صار هذا الرجل عدوّي الأزرق ، وقبل سفري سارّ دليلي بكلمات لم أشكّ في أنّها حثّه إيّاه على الاستهانة بالوصايا الجزيلة والأوامر اللازمة الّتي أدّاها إليه اللورد « إيلكن » والوزير أحمد أفندي في رعايتي .
ولقد سرّني كثيرا وأحبرني التعرّف إلى المستر « هامر « 4 » » هو شاب
هامش
( 1 ) نسي أبو طالب مساوئ الإنكليز الّتي عددها وذكرها في رحلته . ( م ) .
( 2 ) هذه الجملة غامضة المعنى بالنسبة إلى سياق الرحلة لا إليها هي نفسها فهل هؤلاء أدلاء ؟ فقد أراد أنّهم منقادون له .
( 3 ) وهذا أيضا من الأسلوب التهكمي لأبي طالب ، وهذا التعبير مألوف في اللغة العامية العراقية « يصلخ جلده » . ( المترجم ) .
( 4 ) هو « هامر بوركستال » مستشرق ألماني ومؤرخ ولد في كراتز سنة 1774 م وتوفي في فينة سنة 1856 م ، ألف كتاب « تاريخ الإمبراطورية العثمانية » .