تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
للديانة الإسلامية بعد فتحه القسطنطينية ، وقد بنى بناء جدّ وثيق وأنيق بحيث يعد على قدمه عمارة جديدة ، والمساجد الجليلة ، بعد جامع أيا صوفيا هي الّتي بناها السلاطين : أحمد ومحمّد الفاتح وبايزيد ومحمود ، والجامع الّذي بناه محمود باشا ، فالهندسة العمارية الظاهرة فيها وافرة الجمال ، وقد زيّنت بالتحف والتذهيب ، ولكل من هذه المساجد صحن فسيح مع حوض كبير وحنفية دافقة « فوارة » تستعمل ميضأة للمتوضئين ، وحول الصحن أحواض أخرى مخصصة بالاستعمال نفسه ، ويرى في الخارج صف طويل من البناء والدكاكين ومقهاة ، وفي عدّة من المساجد مدارس ، وفيها يتعلّم الشبان والصبيان مجانا ، وفي القسطنطينية جمهرة من المساجد الخاصّة كبيرة ، ولكنّها غير محكمة البناء من وجهة عامّة ، وإذا استثني الباب والمنارة وعليها المؤذن يدعو النّاس إلى الصلاة لم يبق فيها ما يستحق الإعجاب والاعتبار . وفي هذه المدينة أسواق « 1 » ظاهرة الجمال أشهرها تقارب مساحته ميلا مربعا ، ويوصل إليها من عدّة أبواب ، وداخلها مفروش بالرمل فرشا حسنا ، وسطوحها ذات شكل مقبّب لها شبابيك عليها جامات من الزجاج ، تفتح وتسدّ بحبال وبكرات ، والدكاكين ملأى من كل نوع من البضاعات الثمينة ، والأسواق على غرار دروب ، وكل منها مقصور على نوع خاص من البضاعة ، والّذي استغربته هو أنّ الدكاكين كلها تغلق يوم الجمعة قبل الظهر ، فلا يرى فيها نسمة إنسان « 2 » ، وسمعت كثيرا من الفرس يتكلمون بالفارسية بحماسة في هذه الأسواق ، ولكن حكاياتهم كانت مبالغا فيها ، والدكاكين جدّ مظلمة بحيث لا يميز المبتاع ألوان الشيء المباع ، ومع استعمالي مناظري اشتريت عمامة زرقاء وأنا أحسبها خضراء ، والهواء فيها محصور جدا فلا يشم الداخل فيها من جميع جهاتها إلّا رائحة كريهة ، وفذلكة القول أنّ الشّمس ليس لأشعتها طريق للنفوذ إليها فهي رطبة كثيرة الرطوبة ، ويتورط واردها في الشتاء في الطين إلى نصف ساقيه .
هامش
( 1 ) المشهور في لغة العرب تأنيث السوق ولكنّنا ذكرناها على الوجه الضعيف لشيوع التذكير في عصرنا وما قبله . ( المترجم ) . ( 2 ) نستغرب استغراب أبي طالب فكأنّه لم يكن يدري أنّ المسلم يجب عليه ترك البيع والشراء قبل صلاة الجمعة اتباعا للقرآن الكريمفَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا .( المترجم ) .
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 225 | حاجي محمد بيك خان