تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وحينئذ يحضر صحن واسع مملوء لحما ، فيوضع على الطنفسة الأولى ، فكل من القاعدين عندها يأخذ منه لقمتين أو ثلاث لقمات بأصابعه ، ويمرّ الصحن بعد ذلك على المائدتين الأخيرتين ، ويخفى بعد إمراره بها ، بدقائق قليلة . وفي الغالب يحضر أكثر من ثلاثين لونا من ألوان الطعام بعضها بعد بعض ، ولكن الخدم يرفعونها قبل أن يستطيع المدعو الاختيار ، ليأتوا بغيرها مكانها ، وإن كانت أحيانا دونها في الطعم ، وهم يستعملون ملاعق الخشب لأكل الحساء والقيمر والرز واللبن وغيرها ، وهي قليلة العمق فلا تستوعب شيئا على التقريب ، ولا تنفع اللّهمّ إلّا توسيخها الخوان وملابس المدعوّين . والأتراك أيضا يأكلون بطريقة مقزّزة للنّفس جدا ، ولم أجد قط اشتهاء جيدا للتغدّي معهم « 1 » ، فإناء الطعام يكون في وسط طبق واسع ، فلبلوغه يجب مدّ الذراع بكلّ طوله ، والخدم جدّ أفظاظ في حركاتهم ، يرفعون الصحن غالبا في الهنيهة الّتي يمدّ إليه يده الواحد من المدعوّين ، يضاف إلى ذلك أنّهم يحضرون جميع الألوان في بيت مجاور لموضع الدعوة ، حتّى لتكون الألوان الّتي تقدّم أخيرا في الأغلب باردة . والأتراك الّذين لا يتمرنون ولا يتروضون البتّة ، بل يزجّون أوقاتهم بالأدّخان والشرب . ليست لهم رغبة في الطعام غالبا عند التغدي ، ويستعجلون في إتمامه ليعودوا إلى تمتعهم بالإدخان بالسّبل وقد تركت المائدة غير مرّة من غير أن أخفف جوعي . ودور القسطنطينية من الخشب المغطّى بطلاء من الملاط أو المزوّق بصور الآجر ، وليست لها سعة دور الهند ولا ليق دور أوروبا ، وهي معرضة يوميا لأكبر المزعجات وهو الحريق ، فإذا علقت النّار بإحدى الجهات فسرعان ما تحيل مئات دور رمادا قبل أن يستطاع إطفاؤها ، وليس في القسطنطينية طريق لم تشب فيه نار الحريق ثلاث مرّات أو أربعا ولم يكن عرضة للهب النّار منذ خمسين سنة حتّى اليوم ، ومع هذا فالأتراك مستمرون على إنشاء الدور من الخشب محتجين بأنّهم يحذرون الزلازل ، وهذا اعتذار قبيح مردود ، والسبب الحقيقي هو أنّهم لا يريدون أن ينفقوا ما تستلزمه إنشاءات أقوى ممّا ينشئون ، وهم لا يفكّرون في الخسران الهائل الّذي
هامش
( 1 ) راجع الحاشية رقم ( 2 ) من الصفحة السابقة .