باعتناء من أن يحركوا أنفسهم أصغر حركة ولا يتدربون ولا يتمرنون ، ولا يستنشقون الهواء الّذي هو أشد موافقة لصحتهم أبدا .
أقمت في تركيا عند عدّة بواشية ورأيتهم كلهم يحضرون بانتظام كل صباح بهو المقابلة من باب صغير متصل بدار الحرم ، ويبقون هناك حتّى منتصف اللّيل ثمّ يدخلون في دار الحرم من ذلك الباب ، وبالنّهار لا يحدث أن يقفوا عند الشباك ، بله أنّهم لا يخرجون للتنزه لاستنشاق الهواء الطيب . ومنذ لحظة استيقاظهم حتّى حين نومهم لا يتركون السبيل من أيديهم ، والعامّة جدّ مستعبدين بهذه العادة بحيث يدّخنون وهم سائرون ، ويحملون معهم دائما مقدحة ، ويرى الرائي حتّى الفرسان يشعلون سبلهم وخيولهم محضرة ، وإن اضطرهم حادث سيئ إلى ترك الإدّخان هنيهة أدخلوا سبلهم في كيس من الجلد يعلقونه بسروج أفراسهم كأنّه كنانة ، ولذلك قال نادر شاه الّذي ابتز الملك والعرش في بلاد الفرس للفرس يشجعهم على القتال ونضال الأتراك : « لا تخشوا أبدا هؤلاء النّاس فلم يعطهم اللّه إلّا يدين إحداهما لتثبيت عمائمهم والأخرى لإسناد سراويلهم ، ولو كنت لهم يد ثالثة لاستعملوها لحمل سبلهم . . . فلا يستطيعون إذن استعمال السيف ولا الترس » . والقلنسوة الكبيرة أي القاووق خاصة بالأعيان ، ففي تركيا يعرف مقام الرجل بعمامته ، وعندهم ولهم قلانس أخرى كلها على التقريب ثقيلة كالقاووق ، والسادة أي سلالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم يلبسون عمائم خضرا « 1 » مكوّرة ، والمسلمون الآخرون يلبسون عمائم بيضا ، وهذان اللونان محرّمان على النصارى .
والأتراك يحبون التجمّل ويلبسون الجميل الجليل ، ويرعون عددا كبيرا
هامش
( 1 ) خضرة العمائم للسادة العلويين أحدثها السيّد محمّد الشريف المتولي باشا مصر سنة « 1004 م » وذلك لما دار بكسوة الكعبة والمقام وأمر الأشراف أن يمشوا أمامه ، وكل واحد منهم على رأسه عمامة خضراء « نور الأبصار للشبلنجي ص 183 عن درر الأصداف » . وأمّا جعل الخضرة علامة لهم فقد كان في سلطنة الأشرف شعبان بمصر في الثلث الثالث من القرن الثامن للهجرة ، وكانت قطعة خضراء تعلق على ملابسهم ، وأمّا استبدال المأمون الخضرة بالسواد فلأنّ الخضرة لباس أهل الجنّة كما في القرآن الكريم ولا صلة لها بالعلويين كما يفهم غير المحققين فشعار العلويين البياض ولما أسقط هولاكو الدولة العباسية جعل الخضرة للعلويين . ( المترجم ) .