تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ويسقط عليها في الشتاء كثير من الثلج والمطر ، ومع أنّ أكثر الأتراك لهم في مثاويهم مداخن للمواقد فهم لا يوقدون نهارا نارا أبدا ، وباللّيل حين يقرؤون صلواتهم يضعون بينهم وبين النّار حاجزا لئلا يعتقد أنّهم يعبدون هذا العنصر ، وهم مضطرون ليحموا أجسادهم إلى أن يضعوا عليها ملابس كثيرة كثيفة تمنعهم من التصرف بشؤون الحياة ، وتحدث في الصيف كثيرا من القمل ، وذلك الّذي يساعد على إبقاء الوباء حقا . إنّ هذه العادة السيّئة عامّة لجميع البلاد التركية حتّى البلاد الّتي هي أحر من القسطنطينية كحلب والقاهرة وبغداد وغيرهن . وأنا أرى من المستحيل تقدير عدد سكان القسطنطينية تقديرا محررا ، وكذلك تعيين مساحتها لأنّ البساتين والمزارع الّتي تحيط بها تمتد من كل جانب من جانبي المضيق حتّى البحر الأسود ، فإن نحسبها فإنّ طول المدينة يكون في الأقل ثلاثين ميلا ، والأتراك يقولون : ينبغي للسائر ثلاثة أيّام حتّى يتمّ دورة حول العاصمة . وأهل القسطنطينية حتّى فقراؤهم لا يمشون أبدا تقريبا ، ولهم للتنزه ألوف زوارق طويلة ، تغطي ماء المضيق بكثرتها ، وهي مكشوفة ومزوّقة بالأصباغ تزويقا رائقا ومزيّنة بنحوت وتذهيبات ، وفيها مقاعد محشاة ، ويكفي في إجرائها والسيطرة عليها مجذفان أو ثلاثة مجذفين ، ويوجد على الكلاءات وفي المحلات الّتي لا تقربها السفن عدد كبير من الخيل مسرجة يستطيع الإنسان أن يكتريها للتنزه في المدينة ، وطرق القسطنطينية ضيّقة ، سيّئة التبليط ، وتمتلئ طينا في الشتاء ، ومع هذا فالازدحام فيها جدّ كثير بحيث ينصب الأجنبي كثيرا لفتح طريق لنفسه فيها . والمقاهي ودكاكين الحلاقين لا تحصى كثرة ، فالأتراك على كونهم كسلا « 1 » لا يحبون الاعتزال فإذا تغدّوا ذهبوا للقعود في أحد هذه المواضع فيقضون سحابة النّهار بالأدخان وشرب القهوة أو « الشربت » وسماع قصص تافهة . وهم إذا تكلّموا
هامش
( 1 ) الكسل على وزن الرّسل جمع الكسول وهو للذكر والمؤنث لا كما ظنّ طائفة من اللغويين ، قال الراعي :طال التقلب والزمان ورابه * كسل ويكره أن يكون كسولا .