رفعوا أصواتهم ، ويتكلّم غالبا سبعة أو ثمانية منهم معا ، حتّى ليكون مستحيلا على أجنبي أن يفهم شيئا من كلامهم ، وأوجز القول بأنّ هذه المقاهي تشبه اجتماعات بهائم ، بله أنّهم قذرون ولا تجد عندهم إلّا قهوة رديئة ، وكذلك التبغ والسّبل . والفنادق أكثر بشاعة فلا يستطيع السائح النوم الملائم له إلّا في غلطة وفندق فرنسا أو فندق إنكلترا ، ولا يعوز السائح هنا حمامات حارّة ، ولكنّها عامّة للنوعين : للرّجال والنّساء ، ومهملة ، فالرّجال يذهبون إلى الحمامات عند تبلج الصبح ويخرجون الساعة العاشرة ، وتدخل بعدهم النّساء من وقت خروجهم حتّى ما بعد الظهيرة .
وقد رأيت في القسطنطينية ممّا سرني الزوارق الطويلة وخيل الاكراء والأحواض العامّة ، ففي كل شارع حوض ذو حنفية معلّق عليها طاس من الصفر يغترف به المارة الماء فيطفئون عطشهم ، وأذكر أيضا الأسواق فكل سوق لنوع من البضاعة ، حتّى ليستطيع المتسوّق الحصول بسهولة على ما يريد ابتياعه . وأعظم التجارات في القسطنطينية تجارة السّمّور والسمّور الأبيض « القاقم » وأنواع الفراء الأخرى وكلها ذات نفاسة تستلفت النظر .
والأتراك ينفقون على ملابسهم أكثر من كل شعوب الدّنيا ، فهم يستجلبون من أوروبا الملاحف والحرير الأطلس ، وتصدر الهند إليهم الشاش الموصلي وبلاد الفرس الشال الكشميري وأقمشة الحرير المطرز .
فالأغنياء يلبسون سراويل من الشاش السخيف واسعة فضفاضة جدا تستنفد من القماش ما يستنفده زهاء ستة أثواب « 1 » ، وعمائمهم الّتي يسمونها « كافوك « 2 » هي من الملاحف أيضا « 3 » ولا يقلّ وزنها عن اثنتي عشرة ليفرة « 4 » أو أربع عشرة ويطارقون بين أربعة أثواب أو خمسة كثياب العرب ، أعلاها مزيّن بالفراء ، ويلقون على أنفسهم زيادة على ذلك عباءة كبيرة ، وخلاصة القول أنّ ملابسهم تكفي في أن تكون حمل حمار ، وهم أيضا يتفادون
هامش
( 1 ) قلنا : المبالغة ظاهرة في هذا القول . ( المترجم ) .
( 2 ) هذا في اللفظ وهو في الكتابة « قاووق » وقد مامت الآن القاف من اللغة التركية في استانبول ونواحيها . ( المترجم ) .
( 3 ) يعني من قماشها . ( المترجم ) .
( 4 ) الليفرة « 500 » غرام . ( المترجم ) .