الأبيض المتوسط ، وهذه المدينة فيها كثير من الفواكه على اختلاف أنواعها ، وبطيخها جدّ مشهور ومبذول ، بحيث يرى الرائي منه أكواما عظيمة في كل أنحاء المدينة ، ورأيت فيها كثيرا من العنب والرمان والسفرجل من نوع عديم النظير وقد تغديت مرّة ثانية عند الأغا مدير الكمرك والمكوس وبقينا معا أيضا حتّى منتصف اللّيل ، ولما انصرفت أمر أحد خدّامه أن يحمل إليّ في السفينة . زادا لي مائة بطيخة وعنبا وخمسين كعكة وعنزين وعجلا وأمر بعد ذلك بأن أوصل إلى باب داره ، وأصحبني صاحبه سرّه إلى مثواي في المدينة .
أبو طالب يبحر إلى القسطنطينية
وباليوم الثالث عشر من تشرين الأوّل ( سنة 1802 م ) أقلعت بنا السفينة ميناء أزمير ، وبعد قليل وصلنا إلى جزيرة « ميتيلين » مسقط رؤوس عدّة فلاسفة كبار ، وإذ كان البحر هادئا نزلنا إليها لنزور « كاسترو » ولكنّا خدعنا في انتظارنا ، فالمدن في هذه البلاد مشيدة على مرتفعات ودورها البيض « 1 » تحدث من بعيد كثيرا من التأثير في النّفوس ، ولكن الإنسان إذا اقترب منها زالت منه الغرابة والعجب ، والشوارع الّتي فيها الأسواق مغطاة بالكرم المعرش وهي جدّ ملائمة في الفصل الجميل ولكنّها في زمن الرطوبة تجعلها مظلمة وقذرة ، والسكان يونانيون وهم في حكم الأتراك .
وفي اليوم الخامس وصلنا إلى مقابل « تينيدوس » وإذ كانت الريح نكباء كثيرة التحول في البحر الأيوني اضطررنا إلى إرساء السفينة ، ونزلنا البرّ ، للقيام بالواجب علينا للحاكم عمر أغا ، وقد تلقانا بأدب كثير ، ورجا منّا أن نتغدّى عنده ، ولكن ارتحالنا تابع بكليته للريح ، واعتقدنا أنّ توقفنا مخالف للصواب ، فلم نقبل قط دعوته ، وفي الغد صارت الريح أكثر ملاءمة لنا فاندفعت بنا السفينة إلى بحر مرمرة الّذي يشتق القسطنطينية ويمتد فيتحد بالبحر الأسود ، غير أنّ مجرى الريح من البحر الأسود نحونا كان دائما جد
هامش
( 1 ) جمع البيضاء ، والجمع واجب هنا قال تعالى« وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌوقال - عزّ وجلّ - :عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ .( المترجم ) .