الشرقية دعوة من « نابليون بونابارت » لي لحضور الاحتفال بترقيته ، ولسوء الحظ كنت مختل المزاج وقت وصول الدعوة ثمّ استحال عليّ قضاء ما يجب عليّ لهذين الرجلين العظيمين بعد فوات الوقت وانصرامه .
أبو طالب في ليون
ولإرادتي مواصلة الارتحال لم أقم في باريس طويلا ، وباليوم الأوّل من شهر « 1 » ربيع الأوّل ( سنة 1217 ه ) الموافق لأوّل تموز ( سنة 1802 م ) سافرت مع البريد قاصدا إلى ليون ولم تكن أجرة العربة إلّا ثلاثة لويسات « 2 » ذهبا ، وعللت نفسي بأنّي مسافر أسرع من سفري في نوع العربات المسمّاة « السرعة » الّتي حملتني من كاليه إلى باريس وأكثر سهولة ، ولكنّني سرعان ما صرت دهشا حينما دخلت في العربة فألقيت فيها رجلين فرنسيين وامرأة فرنسية وامرأة إيطالية ، وسائحا غير هؤلاء ، وقد ملؤوا العربة ، فتحركت بنا العربة عند شروق الشّمس ولم نقف إلّا بالساعة التاسعة مساء لننام ، ولم يكن في رفقائي في هذه السفرة من يفهم كلمة إنكليزية واحدة ، وكان أشدّ ذوي أثرة وأنانية رأيتهم فيما مضى من حياتي ، فقد كانوا يستحوذون على أحسن المقاعد ، ولقد رجوت منهم أن أبادلهم بمقعدي بحسب العادة الإنكليزية فأبوا وضحكوا من تألمي ونصبي ، ولما عرّسنا « 3 » مساء تبادروا إلى السرر فاختاروا أحاسنها ، ولما رآني الفندقي لا أعرف الفرنسية لأذود عن نفسي جعلني في غرفة مظلمة وسخة ، غير أنّ المرأة الإيطالية المسافرة معنا أشفقت عليّ باليوم الثالث فأعلمتني بالإشارة أنّه يجب أن أتهددهم بأن أنام في العربة إن لم يهيئوا لي سريرا صالحا ، وأن لا أدفع أجرة سكني ، فاتبعت نصيحتها ، واعتدلت حالي بها ، وقد سلخنا خمسة أيّام في قطع المسافة الّتي مقدارها مائتان وعشرون ميلا ، وهذه الإزعاجات الّتي ذكرتها آنفا أقلّت المسرة الّتي كنت آملها بسياحتي في هذه البلاد الجميلة .
وليون من أجمل مدن فرنسا ونهر الصون العريض الّذي تكتنفه
هامش
( 1 ) تقدّم ذكره تركه للندن في صفر سنة 1217 ه الموافق لحزيران سنة 1802 م . ( م ) .
( 2 ) اللويس الذهب يساوي عشرين فرنكا فرنسيا بالسعر القديم . ( المترجم ) .
( 3 ) أي نزلنا من مراكبنا لنستريح في السفر . ( المترجم ) .