« قنصل الجمهورية الفرنسية الأوّل » وتسلّم بعد ذلك عاجلا قيادة الجيش وزحف نحو المتحالفين ، وبظفر ذي بال ظفره سوّغ لفرنسا التحكم والاختيار ، وإذ كان أعداؤه يتضرعون في طلب السلم دخل هنا القائد الظافر في العاصمة وكان في انتظاره مجد استقبال الغازي والاحتفال به .
وبعد أشهر من منحه السلم للروس والألمان تلقب بلقب « رئيس جمهورية إيطاليا » وجعل تسميته بالقنصل الأوّل دائمة مدى الحياة ، وتعالت سلطته على هذا النحو يوما بعد يوم ، وبالتدرج استلب كل سلطة الحكومة .
وفي أثناء إقامتي في مرسيليا ضرب نقدا بصورته ، مع أنّه لم يكن يومئذ متقلدا رتبة « الرئيس الأعظم » .
وبعد مغادرة بونابارت لمصر أرسل السيّد الأعظم « 1 » جيشا عرمرما تحت قيادة الوزير الأعظم يوسف باشا لطرد الفرنسيين من مصر ، ولكن الأتراك على كثرة جنودهم هزمهم الفرنسيون هزيمة منكرة ، وقدّموا للعالمين برهانا جديدا على عدم تجاربهم وعلى شجاعة الفرنسيين ، وإنّ هذا الحادث قد كان كشف الغطاء الّذي كان مرسلا سنين طويلة على القوّة التركية الخيالية للأتراك « 2 » ، فقد فتحوا قديما فتوحا واسعة في أوروبا ، ونتائج حربهم الأخيرة للقوى النصرانية الّتي تجاورهم ، ظهرت بأتم الظهور فتأهب الألمان والروس للاستفادة من أقل النكبات الّتي تصيب الأتراك في منازعتهم للفرنسيين « 3 » .
هامش
( 1 ) هذا لقب السلطان العثماني عند الأوروبيين أيّامئذ وقد تقدّم أنّ السلطان أيّامئذ هو سليم الثالث . ( المترجم ) .
( 2 ) كان أبو طالب يعلم أنّ الحروب تطورت بآلاتها وتعبثتها ووسائلها كسائر شؤون الدّنيا ، ولم يبلغ الأتراك في التطور أو التطوير ما بلغه الفرنسيون أيّامئذ ، فهذا سبب الهزيمة لا ما ذكره أبو طالب من الغطاء وغيره من كلام التشفي . ( المترجم ) .
( 3 ) قال الشيخ ياسين العمري في حوادث سنة 1216 ه وهو من كتاب الدر المكنون : « وفيها نزل على مصر الوزير الأعظم يوسف باشا . فحاصرها يومان ( كذا ) وفي الثالث أرسلت الفرنسية يطلبون الأمان فأمنهم وخرجوا من مصر وقد بقي منهم ستة آلاف علج وقيل عشرة آلاف ونزلوا بالمراكب وكان قد هرب قبلهم مقدمهم برنه بول ( بونابارت ) في مركب خفيف وفيه أموال المسلمين والانكروس ( الإنكليز ) ونجا منهم . . . » . ( المترجم ) .