أوروبا خاضعة لحكومات مختلفة ، ففي قسم منها للملك سلطة استبدادية وفي قسم آخر يحكم الأشراف حكما استبداديا ، وفي الأحيان يشارك الشعب في الحكم ، أو تجتمع النظم الثلاثة على مباشرة السلطة ، ومن الدول من لا تعترف بالملوك أبدا ، وقد فصلت هذا الموضوع تفصيلا بسيطا في كتاب لي اسمه « لب التواريخ » أي قلب التاريخ استخلصته قبل عدّة سنين من كتاب ألفه المستر « يوناثان سكوت » .
وملوك أوروبا العظام خمسة : إمبراطور روسيا وإمبراطور ألمانيا وملك إسبانيا وملك فرنسا وملك إنكلترا ، والأربعة الأولون ذوو سلطة مطلقة ، وقد عرّفنا آنفا سلطة الملك الأخير ، فإن كانت الحكومة الملكية « 1 » تقدم بعض الخير ففيها أيضا أضرار كبيرة ، فقد يكون الملك شريرا أو ضعيف النّفس .
وفي سنة 1789 الميلادية رجا الشعب الفرنسي من ملكهم بعد أن سئموا الحكم ، أن يطوّر نظام سياسة البلاد وأعربوا عن رغبتهم في أن يكون الحكم فيهم كحكم الإنكليز ، فلم يلتفت إليهم ولا اهتمّ أحد بشكواهم ، وبعد سنتين من التربص رأوا أنّ تنبيههم ذهب سدى فثاروا وطردوا كثيرا من أولي أمرهم ، فحينئذ استيقظ البلاط من سباته الّذي كان غريقا فيه ، ولتخفيف حدّة الشعب استدعى إلى باريس مجلسا يشبه مجلس إنكلترا في التقريب ، وسرعان ما رأى المستاؤون تفاقم قوّتهم فأصبحوا أشد تحكما وتطلبا ، وأمعنوا في الطلب إلى أن طلبوا أن تغير الحكومة الفرنسية وتجعل جمهورية ، فلم تسع الملك الإجابة إلى طلب غير قريب من الرشاد ، فأمر بسجن الّذين فعلوه ، فقاوم الشماغبون ذلك وأريقت دماء كثيرة من الحزبين ولكن الغلبة كانت للعصاة ورفع سكان المملكة علم الثورة فالتجأ الأشراف مع أسرهم ، حاملين أغلى ما عندهم وقد رعبهم الخطر ، إلى الأقطار المجاورة لفرنسا ، فكثير منهم جاؤوا إلى إنكلترا ، وبقي الملك وحده ، فاعتصم في قصره ، ولكن معظم الجيش ، كان قد اعتنق مذهب العصاة فرأى الملك نفسه مجبرا على الخضوع ، وبعد قليل حوكم فحكم عليه بالإعدام وأعدم ، وكذلك كانت عاقبة زوجه .
هامش
( 1 ) الملكية بكسر اللام نسبة إلى الملك ، ولا يجوز فتح اللام في النسبة لأنّ الملك اسم جنس والفتح للإعلام كالنمرين قاسط . ( المترجم ) .