تميزوا بشجاعتهم واستقامتهم ، وقد رأى الراؤون منهم من يدخل الدار المحترقة فيخرج أشياء ثمينة منها ليؤدّيها إلى أصحابها ، والشيء الوحيد الّذي لم أستحسنه في هذا هو أنّه يجب أن يدفع مبلغ غير قليل لأوّل أنبوب إطفائي يصل إلى الحريق ، وأقلّ منه للثاني وهكذا دفع أجر المضخات الإطفائية ، على نحو لو كانت فيه المضخات خمسين مضخة لوجب أن يؤدّى عن الحريق ، وقد أتلف ما أصابه ، مبلغ جسيم إلى المضخاتية ، وهذا يضاعف الخسران . ومع العون الّذي يدرك بهذه المكاين لا يمرّ يوم لا تصيب فيه النّار جهة من جهات المدينة .
إنّ سرر الإنكليز لم تعجبني البتة ، وهي مؤلفة في العادة ، من حشيتين أو ثلاث حشيات فالتحتانية من الريش فإذا اضطجع الإنسان عليها كان كالغّاطس فيها ، ولكنّها تطاق في الشتاء ، فإذا بدأت حرارة الجوّ أحسّ الإنسان باختناق عند النوم عليها . والسرير مغطّى بقرام « 1 » ، ولحافين ذواتي طرف ضيق فيندحس الإنسان تحتهما من جهة المخدة اندحاسا ، وقد كان يذكرني ذلك دائما بدبّ رأيته يوما يدحس نفسه في نقب دوحة « 2 » ، وتلك السرر عريضة جدا بحيث يحتاج النائم إلى وقت طويل حتّى يدفأ ، وإذا انقلب الإنسان من جانب إلى جانب بغير حيطة فاللحافان ينفصل أحدهما عن الآخر ويسقطان أرضا ، وقد تركت في إنكلترا بسهولة عاداتي الأخرى إلّا أنّني كابدت ضروبا من العذاب بنومي على الطريقة الإنكليزية « 3 » . إن لحفنا على كونها محشاة بالقطن ومضاعفة بالنسيج القطن الموصلي خفيفة وهي مفضلة جدا في كل الأحوال .
هذا وإنّنا في الشرق نرتدي باللّيل دائما ملابس نوم تمنع اللحاف أن يمسّ جلودنا مع أنّ الإنكليز ينامون متجردين على التقريب ، ويستعملون اللحاف الواحد خمسة عشر يوما متوالية ، ويرى السائح في إنكلترا بالفنادق سررا ذوات قرم « 4 » مبلولة وذلك من أشد ما يضر بالصحة .
هامش
( 1 ) القرام بوزن الكتاب هو ما يسمّى اليوم الشرشف والجرجف .
( 2 ) الدوحة : الشجرة العظيمة .
( 3 ) كلام لا يخلو من مبالغة . ( المترجم ) .
( 4 ) القرم جمع القرام وقد تقدّم أنّه « الشرشف والجرجف » على اللغتين العامتين المصرية والعراقية .
( المترجم ) .