ولم يكن ذلك إلّا حجّة باطلة للتفادي من الزيارات المزعجة ، وإذا رجوت من أحد أن يعينك على أمر وأجابك إلى رجائك - مثلا - وعين لك أحد الأصبحة لحضور داره وإخباره بتفصيل الأمر ، وحضرت أنت فإنّك لا تتمّ نصف واجب التحية حتّى يقال لك : « إنّ السيّد يجب عليه الذهاب إلى المدينة العتيقة في الحال من أجل أمر مهم ، فعد إليه في وقت آخر » . وتعود ويكون السيّد مجبرا على مغادرة داره ، فإن ألححت طردت كما يطرد الطفيليّ ولن تستطيع بعد ذلك أن تضع قدميك في داره . إنّ الفرنسيين أكثر سهولة مقابلة وتواضعا من الإنكليز ، ونجدهم دائما على حظ وافر من التهذيب ولا يظهرون أبدا هذه الأمارات من ضيق الصدر ، وعدم الصبر ، تلك الأمارات الكريهة الّتي يظهرها الإنكليز .
والعيب الخامس في أخلاق الإنكليز هو سرعة غضبهم واغتياظهم ، وهذا الميل إلى الغضب يبعثهم في الغالب على مخاصمة أصدقائهم ومعارفهم بغير باعث ولا سبب ، غير أنّ الأجانب قلّما يشكوون منهم هذا الخلق ، ولما كان المجتمع لا يستقيم وجوده إلّا على التعاطف والتسامح كان حب الخصام في الغالب مبعثة على البغضاء والتنافر بين أقرب الأقرباء .
ومن عيوب الإنكليز ( وهو العيب السادس ) تضييعهم القسم الأكبر من أوقاتهم بالنوم والطّعم وارتداء الملابس ، وهم يحتلقون في كل صباح ويرجلون شعرهم اتباعا منهم للسبّر الجديد ، ويرتدون مجموعة من الملابس الغريبة ، وكل هذا التجمّل المتكلف ، يكرّر ، ما عدا حلق اللحية ، قبل الغداء ، بحيث لا يستغرق ازديانهم وحده أقل من ساعتين طويلتين ، ويقضون ساعة في الغداء وثلاثا في العشاء ومثلها للاشتياء « 1 » ومحادثة النّساء ، ويخصصون تسع ساعات بالنوم ويبقى إذن ست ساعات عدا لزيارتهم وقضاء شؤونهم ، وعندما يلومهم لائم على تضييعهم الوقت يقولون : « كيف تعمل ؟ » فأقول لهم : « أقلوا عدّة ملابسكم والبسوا ملبسا
هامش
( 1 ) الاشتياء هو شرب الشاي واتخاذه ، والاقتهاء شرب القهوة أعني نقيعهما ، وهذا هو القياس الّذي ذكرناه من قبل في « الإدخان » لاستعمال التبغ بالطريقة المعروفة ص 154 . ( المترجم ) .